
لبنان – حفرة في الطريق لا تجد من يصلحها، أو نفايات تتراكم، أو مصباح إنارة معطّل منذ أشهر. هذه مشكلات مألوفة يواجهها السكان في مختلف أنحاء لبنان. وغالبًا ما تنتهي الشكاوى في مجموعات واتساب أو على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن ماذا يحدث بعد ذلك؟
تسعى مبادرة Baladi Map، التي يجري توسيع نطاقها في مختلف أنحاء البلاد من خلال مشروع 1062، إلى تحويل الاستياء اليومي إلى مشكلات موثّقة يمكن للبلديات معالجتها. ويهدف المشروع إلى إيصال المنصة إلى البلديات في مختلف المناطق اللبنانية، وتشجيع إيجاد حلول عملية للتحديات المحلية.
وفي مقابلة مع إنمائية، يتحدث مؤسس Baladi Map، روي بو ناصيف، عن آلية عمل المنصة، وما تكشفه نتائجها الأولية، وكيف تسعى إلى تعزيز التواصل والمساءلة بين السكان والسلطات المحلية.
من الاستياء إلى المشاركة
يضم لبنان أكثر من 1,060 بلدية، ومع ذلك، لا تتوافر أمام السكان سوى قنوات عامة محدودة وسهلة الوصول لمشاركة اقتراحاتهم، والإبلاغ عن المشكلات، أو تسليط الضوء على المبادرات الإيجابية في مناطقهم.
تسعى Baladi Map إلى سد هذه الفجوة من خلال توفير سجل منظّم ومتاح للجمهور يوثّق مشكلات السكان. وبدلًا من أن تكون منصة للعرائض أو الاحتجاجات، تشجّع على الحوار البنّاء عبر توثيق المشكلات وتحديد مواقعها وإحالتها إلى البلدية المعنية.
ولا تقتصر المنصة على الشكاوى، إذ يمكن للسكان أيضًا مشاركة المبادرات المحلية الإيجابية، واقتراح التحسينات، وتسليط الضوء على الأمور التي يقدّرونها في مجتمعاتهم.
ويتمثّل الهدف في مساعدة البلديات على فهم أولويات السكان بصورة أفضل، وضمان ألا تقتصر المشاركة على أصحاب الأصوات الأعلى أو العلاقات الأقوى.
كيف تعمل Baladi Map؟
يمكن للسكان تقديم بلاغ عبر تطبيق Baladi Map أو من خلال واتساب على الرقم 76 10 1062. ويحدّد المستخدم موقع المشكلة، ويصفها، ويرفق صورة إذا كانت متاحة.
يراجع الفريق البلاغات خلال بضع ساعات قبل نشرها. كما تُطمس الوجوه ولوحات تسجيل المركبات في الصور، ولا تُعرض أسماء السكان. ويُحدّد موقع كل بلاغ منشور على الخريطة العامة، مع ربطه بموقعه الجغرافي والبلدية المعنية.
ويمكن للبلديات المسجّلة استخدام لوحة تحكّم لمراجعة البلاغات وتصنيفها بحسب الفئات، والاطلاع على عدد السكان المتأثرين بكل مشكلة. كما يمكنها الرد علنًا، أو وضع علامة «تم الاطلاع» أو «قيد المعالجة»، أو إحالة المشكلة إلى الجهة المسؤولة عنها.
ويمكن للبلديات أيضًا تحميل صور تُظهر إنجاز الأعمال، على أن يراجعها الفريق قبل تصنيف المشكلة على أنها عولجت. كذلك، يستطيع السكان إرسال صور تثبت تنفيذ الإصلاحات.
وعندما تكون المشكلة خارج نطاق مسؤولية البلدية، مثل ضعف تغطية شبكات الهاتف المحمول أو المشكلات المرتبطة بالطرق السريعة، تحدّد المنصة الجهة المعنية بالمسألة.
أما السكان الذين يفضّلون استخدام واتساب، فيمكنهم إرسال رسالة أو تسجيل صوتي، إلى جانب صورة أو مقطع فيديو قصير عند توافره. ويحوّل مساعد يعتمد على الذكاء الاصطناعي المعلومات إلى بلاغ، ليتمكّن المستخدم من مراجعته وتأكيده قبل الإرسال. وبعد ذلك، يُضاف البلاغ إلى قاعدة البيانات العامة نفسها التي تستقبل البلاغات المقدّمة عبر التطبيق.
وتُظهر المنصة ردود البلديات وعدم ردّها على حد سواء، ما يتيح للسكان متابعة ما يحدث بعد الإبلاغ عن المشكلة.
ماذا تكشف النتائج الأولية؟
حتى تاريخ إجراء المقابلة، كانت Baladi Map قد تلقّت نحو 500 اقتراح من 127 بلدية. وشكّلت الطرق 53% من البلاغات في بداية تشرين الأول، قبل أن تنخفض النسبة إلى 51% بحلول موعد المقابلة.
لكن هذه الأرقام لا تعني بالضرورة أن الطرق هي المشكلة الأكثر إلحاحًا بالنسبة إلى السكان. فأضرار الطرق يسهل تصويرها، في حين يصعب توثيق مشكلات مثل التلوث الضوضائي، وعدم انتظام إمدادات المياه، وانتشار البعوض، بصورة واحدة. ومع استخدام مزيد من السكان للمنصة، قد يتّسع نطاق المشكلات المبلّغ عنها.
وتظهر أيضًا اختلافات بين المناطق. فقد شكّلت مشكلات الطرق 63% من البلاغات في بيروت و54% في جبل لبنان، مقارنة بنحو ربع البلاغات في بقية المناطق، حيث كانت الشكاوى المرتبطة بالنفايات شبه مماثلة من حيث الانتشار.
وتشمل البلاغات الأخرى إدارة النفايات، والصرف الصحي، والمياه، وإنارة الشوارع، وتدهور المساحات العامة، والضوضاء، والمخاطر البيئية. وهي مشكلات مرتبطة بالخدمات اليومية التي تؤثر مباشرة في جودة الحياة داخل المجتمعات المحلية.
كما تكشف البيانات عن مشكلات مزمنة. فقد أشار 69 بلاغًا إلى مشكلات قال السكان إنها مستمرة منذ سنة على الأقل، فيما تناول 14 بلاغًا مشكلات مستمرة منذ عقد أو أكثر.
وتوفّر هذه النتائج سجلًا عامًا متناميًا للاحتياجات المحلية، كما تمنح البلديات معلومات يمكن أن تساعدها في تحديد أولوياتها.
هل تستجيب البلديات؟
تفاعلت عدة بلديات بالفعل مع السكان عبر المنصة. فقد ردّت بلدية جبيل علنًا على شكاوى بشأن تأجير الدراجات الرباعية للأطفال، وألزمت محال التأجير بتوقيع تعهّد بالسلامة. كما تابعت بلدية مار شعيا–المزكة بلاغات تتعلق بالضوضاء والحفر والصرف الصحي، فيما وضعت بلدية حلبا علامة «تم الاطلاع» على البلاغات.
وبحسب بو ناصيف، عولجت نحو 20 مشكلة أُبلغ عنها عبر المنصة، من بينها مشكلة إشارات المرور في جبيل. وصُنّفت بعض المشكلات على أنها عولجت بعد أن أرسل السكان صورًا تؤكد إنجاز الأعمال، رغم أن الفريق لم يكن يعرف دائمًا الجهة التي نفّذت الإصلاحات.
ويمكن للسكان متابعة بلاغاتهم وتلقّي إشعارات عند نشرها. كما يمكن لأصحاب الحسابات تلقّي إشعارات عندما تردّ البلديات، أو تحدّث حالة البلاغ، أو تقدّم أدلة على معالجة المشكلة. ويهدف هذا النوع من المتابعة إلى إظهار أن شكاوى السكان قد وصلت إلى الجهات المعنية، وتشجيعهم على مواصلة المشاركة.
وتنشر المنصة أيضًا لوحة متابعة عامة على موقع baladimap.com، تُظهر عدد المشكلات التي عولجت وتلك التي لا تزال بانتظار المعالجة. ومن خلال إتاحة ردود البلديات أمام الجمهور، تسعى اللوحة إلى تعزيز المساءلة وتشجيع البلديات على الاستفادة من تجارب بعضها البعض.
الوصول إلى مزيد من المناطق
تركّزت البلاغات في البداية في بيروت وجبل لبنان، اللذين شكّلا 83% من إجمالي البلاغات في مطلع تشرين الأول. وانخفضت حصتهما إلى 79% بحلول موعد المقابلة، فيما ارتفع عدد البلاغات الواردة من عكار من أربعة إلى 33 بلاغًا.
ويعمل مشروع 1062 مع بلديات في مختلف أنحاء لبنان، من القبيات إلى صيدا. وحتى موعد المقابلة، كانت 22 بلدية قد افتتحت مكاتب مخصّصة لـBaladi Map ضمن المرحلة التجريبية، من بينها الجديدة وحلبا وزحلة وصيدا.
ويشكّل واتساب وسيلة أساسية للوصول إلى المجتمعات التي قد يشكّل تنزيل تطبيق عائقًا أمامها. إذ يمكن للسكان تقديم بلاغ باستخدام هاتف ذكي بسيط، من دون الحاجة إلى خبرة في استخدام المنصات الرقمية المخصّصة للمشاركة المدنية. كما تُدرج البلاغات المقدّمة عبر واتساب في النظام نفسه الذي يستقبل البلاغات عبر التطبيق.
ويبقى توسيع المشاركة خارج بيروت وجبل لبنان هدفًا أساسيًا، ولا سيما لضمان تمثيل احتياجات السكان في المناطق الأخرى ضمن البيانات.
قياس التغيير الفعلي
لا يتوقف نجاح المبادرة عند جمع البلاغات، بل يتمثّل هدفها الأوسع في بناء علاقة متبادلة بين السكان والسلطات المحلية، تتيح للأهالي التواصل مع البلديات وتدفع هذه الأخيرة إلى الإصغاء بصورة منتظمة إلى احتياجات مجتمعاتها.
وفي المدى القصير، يخطط مشروع 1062 لمتابعة تنوّع البلاغات وتوزيعها الجغرافي، ونسبة البلاغات التي تتلقى إقرارًا علنيًا باستلامها خلال 30 يومًا، وعدد البلاغات التي تؤدي إلى إجراءات ملموسة من جانب البلديات.
أما على المدى الطويل، فيطمح المشروع إلى أن يتفقّد رؤساء البلديات لوحات التحكّم الخاصة بـBaladi Map يوميًا، لتصبح ملاحظات السكان جزءًا من العمل البلدي اليومي بدلًا من أن تكون مهمة تُنفّذ من حين إلى آخر.
وفي نهاية المطاف، سيتوقف أثر المنصة على مدى شعور السكان بأن الوقت الذي يخصصونه للإبلاغ عن المشكلات يستحق العناء، وعلى ما إذا كانت هذه البلاغات تساعد فعلًا في إحداث تغيير داخل مجتمعاتهم.
ويمكن للسكان المشاركة عبر تنزيل تطبيق Baladi Map من متجر App Store أو Google Play، أو إرسال بلاغ عبر واتساب على الرقم 76 10 1062. وإلى جانب الإبلاغ عن المشكلات، يمكنهم مشاركة الأفكار وتسليط الضوء على المبادرات الإيجابية في بلداتهم.
ومن خلال تحويل الشكاوى الفردية إلى سجل عام، تسعى Baladi Map إلى مساعدة السكان والبلديات على تجاوز الشكاوى غير الرسمية، والانتقال نحو حوار أكثر بنّاءً وإجراءات محلية ملموسة.