
لبنان – لم تشهد ضريبة الدخل في لبنان تغييرات تُذكر على نحو لافت منذ ما قبل الحرب الأهلية. ويعتمد النظام الضريبي اللبناني ما يُعرف بالنظام الضريبي النوعي، حيث يُفرض على كل نوع من أنواع الدخل، سواء كان راتبًا أو أرباحًا تجارية أو إيرادات إيجارية أو فوائد مصرفية، ضريبة منفصلة وفقًا لقواعد ومعدلات خاصة به. وقد استمر هذا النظام رغم طفرة إعادة الإعمار في تسعينيات القرن الماضي والانهيار المالي في عام 2019، على الرغم من الوعود المتكررة باستبداله.
تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية: من المعدلات المنخفضة إلى ضريبة القيمة المضافة
بعد انتهاء الحرب الأهلية، لم تسهم الضرائب المباشرة إلا بنسبة محدودة في إيرادات الحكومة اللبنانية. ففي عام 1990، أشار خبراء صندوق النقد الدولي إلى أن الضرائب المباشرة كانت مصدرًا محدودًا للإيرادات حتى قبل الحرب، بسبب صعوبات التحصيل، ورأوا أن الضرائب غير المباشرة والرسوم تمثلان مسارًا أكثر واقعية لتنويع الإيرادات.
وعززت السنوات الأولى لإعادة الإعمار، من عام 1992 وحتى موازنة عام 1999، هذا التوجه، إذ أُبقيت المعدلات الضريبية منخفضة عمدًا بهدف جذب رؤوس الأموال. وبحلول أواخر التسعينيات، بلغت المعدلات العليا نحو 10% على الأجور والدخل المهني وأرباح الشركات.
وجاء أول تحول مهم مع موازنة عام 1999، التي أُقرت في تموز 1999 في إطار جهود أوسع لضبط المالية العامة. فقد رفعت المعدل الأعلى للضريبة على الأجور والرواتب من 10% إلى 20%، وعلى الدخل المهني من 10% إلى 21%، وعلى أرباح الشركات من 10% إلى 15%. كما ضاعفت الضريبة الموحدة على توزيعات الأرباح من 5% إلى 10%، وزادت الضرائب على الميراث.
وشهدت مطلع الألفية واحدة من المرات القليلة التي نجح فيها لبنان فعليًا في خفض عجز الموازنة. ففي عام 2001، قلّصت الحكومة الإنفاق وخفّضت التحويلات المالية إلى مؤسسة كهرباء لبنان، ما أدى إلى تراجع العجز من نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي إلى قرابة الخُمس.
وفي عام 2002، استكملت الحكومة هذه الخطوات بأكبر إصلاح للإيرادات منذ عقود، تمثل في اعتماد ضريبة القيمة المضافة، وهي ضريبة على المبيعات تُحصّل في مختلف مراحل الإنتاج وعلى الواردات. وحققت هذه الضريبة إيرادات إضافية بلغت 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي في عامها الأول، وأسهمت في الجزء الأكبر من التحسن المالي المسجل خلال ذلك العام. ومنذ ذلك الحين، أصبحت ضريبة القيمة المضافة، لا ضريبة الدخل، محور النظام الضريبي اللبناني.
أما ضريبة الدخل، فلم تشهد سوى تعديلات محدودة. ففي عام 2003، أصبحت المعاشات التقاعدية وتعويضات نهاية الخدمة خاضعة للضريبة، كما فُرضت ضريبة بنسبة 5% على الفوائد المصرفية. ووعدت الحكومة أيضًا بإجراء إصلاح شامل لضريبة الدخل بحلول عام 2004، لكن الجمود السياسي سرعان ما أعاق هذه الخطوة، وانتهى العام بإقرار موازنة لم تتضمن أي تدابير ضريبية جديدة.
مقترحات اعتماد ضريبة موحدة على الدخل
طُرحت فكرة استبدال النظام الضريبي النوعي بضريبة موحدة على الدخل للمرة الأولى عام 2002، وعادت إلى جدول الأعمال مرات عدة خلال العقد التالي، لكنها لم تُقرّ قط.
وكانت الحكومة تعمل على إعداد هذا الإصلاح بمساعدة تقنية من إدارة الشؤون المالية في صندوق النقد الدولي عام 2006. وأُعيد التأكيد عليه باعتباره أحد ركائز الاستراتيجية المتوسطة الأجل في عام 2009، ثم ذُكر مجددًا في عام 2010 ضمن الجهود الرامية إلى اعتماد «ضريبة دخل أكثر توحيدًا». وبحلول عام 2011، أفاد خبراء الصندوق بأن المشروع قد تعثّر.
ومع تعليق العمل بمشروع ضريبة الدخل الموحدة، أصبحت الضرائب على الفوائد التي يجنيها الأفراد والشركات من ودائعهم المصرفية إحدى الأدوات الرئيسية للتصحيح المالي. وقد طُرحت زيادات في معدل الضريبة على الفوائد ضمن مشاريع موازنات أعوام 2007 و2009 و2010 و2012، لكنها لم تُقرّ مرارًا في مجلس النواب.
واعتبارًا من عام 2014، نوقشت بصورة متكررة حزمة ضريبية تضمنت رفع الضريبة على الفوائد المصرفية، وزيادة معدل الضريبة على أرباح الشركات، واستحداث ضريبة على الأرباح الرأسمالية الناتجة عن العقارات. وصُممت هذه الحزمة تحديدًا لتعويض كلفة زيادة رواتب القطاع العام، ولم تُقرّ إلا بالتزامن مع إقرار سلسلة الرتب والرواتب الجديدة في النصف الثاني من عام 2017.
ثم رفعت موازنة عام 2019 الضريبة على الفوائد المصرفية مجددًا، من 7% إلى 10%، كتدبير مؤقت لمدة ثلاث سنوات.
ضريبة الدخل في أعقاب أزمة عام 2019
عندما اندلعت الأزمة المالية عام 2019، أدّى انهيار العملة بهدوء إلى محو معظم القيمة الفعلية للإيرادات الضريبية التي كانت الدولة تجبيها. واستجابة لذلك، بدأت الحكومة، اعتبارًا من موازنة عام 2022، برفع سعر الصرف المعتمد في احتساب الضرائب والرسوم الجمركية تدريجيًا ليقترب من أسعار السوق.
وبحلول عام 2023، عاد صندوق النقد الدولي إلى تقديم توصيات مألوفة، شملت تقليص الإعفاءات والثغرات الضريبية، وتحديث ضريبة الشركات، وتبسيط النظام الضريبي للمؤسسات الصغيرة، وإنشاء مكتب مخصص لكبار المكلفين بالضرائب.
وبعد ثلاثة عقود، لا تزال ضريبة الدخل تعمل بالطريقة نفسها، إذ تُفرض على كل نوع من أنواع الدخل بصورة منفصلة بدلًا من احتساب إجمالي دخل الأفراد. واقتصرت معظم التعديلات على رفع المعدلات المفروضة على مصادر دخل يسهل تحصيل الضرائب منها، مثل الفوائد المصرفية، غالبًا لتلبية احتياجات قصيرة الأجل، في حين استمر تأجيل الإصلاحات الهيكلية الضرورية.
مسار نحو الإصلاح
تضع توقعات صندوق النقد الدولي للاقتصاد الإقليمي في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى لشهر تشرين الأول 2026 إعادة بناء الهوامش المالية الوقائية والحفاظ عليها في صدارة أولويات السياسات الاقتصادية في المنطقة. ويحدد التقرير ثلاثة مسارات لتحقيق ذلك: ضبط مالي موثوق، وتعزيز تعبئة الإيرادات المحلية، وزيادة كفاءة الإنفاق. وفي لبنان، يعتمد رفع الإيرادات المحلية بدرجة كبيرة على إصلاح النظام الضريبي.
ويتمثل الإصلاح الذي تكرر طرحه خلال العقدين الماضيين، من دون أن يُقرّ، في استبدال النظام الضريبي النوعي بضريبة موحدة وتصاعدية على الدخل. فمن خلال فرض الضريبة على إجمالي دخل الأفراد، يمكن إدراج مداخيل تقع حاليًا خارج نطاق الجداول الضريبية المختلفة ضمن النظام الضريبي. وسيشكل ذلك إحدى أهم الخطوات نحو توسيع القاعدة الضريبية في لبنان، وهو إصلاح يدعمه صندوق النقد الدولي منذ مطلع الألفية.
وقد أصبح النظام الضريبي اللبناني نفسه عاملًا من عوامل عدم المساواة، بسبب اعتماده الكبير على الضرائب المفروضة على الاستهلاك.
وتُظهر دراسة أعدّتها الجامعة الأميركية في بيروت عام 2026 أن الضرائب غير المباشرة يُتوقع أن تشكّل 82.8% من الإيرادات الضريبية في موازنة عام 2026، فيما تستحوذ ضريبة القيمة المضافة وحدها على ما يقارب نصف هذه الإيرادات. في المقابل، لا تتجاوز مساهمة الضرائب على الدخل والأرباح والمكاسب الرأسمالية 8.5%.
وبما أن الأسر ذات الدخل المحدود تنفق معظم ما تكسبه، فإن النظام القائم على ضرائب الاستهلاك يفرض العبء الأكبر على الفئات الأقل قدرة على تحمّله.
ويمكن تنفيذ الإصلاح على مرحلتين. ففي المدى القصير، يمكن إعادة تصميم ضريبة القيمة المضافة لحماية الأسر ذات الدخل المحدود، من خلال توسيع نطاق الإعفاءات لتشمل السلع الأساسية اليومية، واعتماد معدلات ضريبية أقل على الضروريات مقارنة بالسلع الكمالية، وفقًا لما تقترحه دراسة الجامعة الأميركية في بيروت.
أما على المدى الطويل، فيتمثل الهدف في إعادة التوازن إلى النظام الضريبي من خلال تعزيز الضرائب المباشرة التصاعدية، عبر اعتماد ضريبة موحدة على الدخل الشخصي تُحتسب على أساس إجمالي دخل الأفراد، إلى جانب تعزيز ضريبة الدخل على الشركات.
وبعد أكثر من عقدين على طرح هذا التوجه للمرة الأولى، من شأن هذا التحول أن يجعل ما يدفعه الأفراد من ضرائب أكثر ارتباطًا بقدرتهم الفعلية على تحمّلها.


