
الشرق الأوسط — توقع صندوق النقد الدولي انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان (MENAP) بنسبة 1.3% في عام 2026، في ظل تأثير الاضطرابات المرتبطة بالصراع على إنتاج النفط والتجارة والسياحة وثقة المستثمرين.
وأوضح الصندوق، في تقريره الإقليمي لشهر تشرين الأول 2026، أن التداعيات الاقتصادية للصراع تفاوتت بين دول المنطقة، إذ تواجه الدول المصدّرة للنفط انكماشاً حاداً، في حين أظهرت معظم الدول المستوردة للنفط قدرة أكبر على الصمود. ودعا التقرير إلى تعزيز الهوامش الوقائية الاقتصادية واعتماد سياسات تساعد الدول على مواجهة الصدمات الخارجية.
يتوقع الصندوق انكماش اقتصادات الدول المصدّرة للنفط ضمن مجموعة MENAP بنسبة 5.1% في عام 2026، مقابل نمو اقتصادات الدول المستوردة للنفط بنسبة 4.2%. ومن المتوقع أن يعود الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة إلى النمو بنسبة 6.6% في عام 2027، مدفوعاً بالتعافي المتوقع في الدول المصدّرة للنفط.
وتشمل الهوامش الوقائية الاقتصادية احتياطيات النقد الأجنبي والمدخرات المالية وعائدات السياحة والتحويلات المالية من الخارج وإمكانية الحصول على التمويل. وتساعد هذه الموارد الدول على مواصلة الإنفاق الأساسي ودعم الأسر والشركات والتعامل مع الاضطرابات.
لكن الصندوق حذّر من تراجع هذه الهوامش مع اتساع العجز المالي، ما يزيد الحاجة إلى سياسات تعزز قدرة الاقتصادات على الصمود بدلاً من الاكتفاء بتخفيف آثار الصدمات على المدى القصير.
انخفض إنتاج النفط في الدول المصدّرة ضمن مجموعة MENAP الأكثر تأثراً بالصراع من 33 مليون برميل يومياً في شباط إلى نحو 19 مليون برميل في أيار. وتراجع إنتاج قطر من النفط والغاز بنسبة وصلت إلى 86%، في حين استفادت السعودية والإمارات العربية المتحدة من خطوط أنابيب بديلة خففت من حدة الاضطرابات.
ويفترض السيناريو الأساسي للصندوق استمرار الاضطرابات عبر مضيق هرمز حتى الربع الأول من عام 2027، على أن تعود الأوضاع إلى طبيعتها بحلول نهاية العام نفسه. ويتوقع أن يبلغ متوسط سعر النفط 96 دولاراً للبرميل في عام 2026 و87 دولاراً في عام 2027.
وبالنسبة إلى الاقتصادات التي تعتمد أسعار صرف مرنة، يشدد التقرير على أهمية السماح لأسعار الصرف بالتكيف مع الصدمات الخارجية، إلى جانب اتباع سياسات نقدية موثوقة وتدابير مالية تحمي الفئات الأكثر ضعفاً من دون الإضرار بالاستقرار الاقتصادي.
يتوقع صندوق النقد الدولي أن يشهد لبنان انكماشاً اقتصادياً ملحوظاً في عام 2026، نتيجة الأضرار الواسعة المرتبطة بالصراع والتوترات الإقليمية التي تؤثر على المحركات الأساسية للاقتصاد.
وبلغ معدل التضخم في لبنان نحو 17%، وهو الأعلى بين الدول المستوردة للنفط ضمن مجموعة MENAP. وفي المقابل، بلغ التضخم 14.5% في مصر و11.1% في باكستان في آب.
كذلك، يواجه لبنان أحد أعلى أعباء الدين العام في المنطقة. ويضع الرسم البياني للصندوق لبنان في المرتبة الثانية بعد السودان من حيث ارتفاع الدين العام، فيما لا يدرج التقرير لبنان ضمن الدول التي لديها برامج مدعومة من الصندوق أو خطوط ائتمان احترازية.
وتشمل تحديات التعافي الأضرار الناجمة عن الصراع، واحتياجات تمويل إعادة الإعمار، والهشاشة الاقتصادية. كما تبقى إعادة هيكلة القطاع المصرفي والإصلاحات المالية من العوامل المهمة لاستعادة الثقة ودعم التعافي.
تواجه مصر والأردن ولبنان والمغرب وتونس ضغوطاً اقتصادية متفاوتة. ويتوقع الصندوق نمو الاقتصاد المصري بنسبة 5.1% في عام 2026، مقابل 2.7% في الأردن و4.5% في المغرب و2.4% في تونس، فيما لم يحدد توقعاً رقمياً للبنان.
وساعدت التحويلات المالية من الخارج والسياحة والظروف المالية الداعمة مصر والأردن والمغرب وتونس على الحفاظ على النشاط الاقتصادي. لكن تراجع الأرصدة الخارجية والضغوط المالية لا يزالان مصدر قلق، مع ارتفاع الواردات ولجوء الحكومات إلى دعم الأسر والشركات.
وتواجه مصر ارتفاع الدين العام واحتياجات تمويل كبيرة، فيما يبقى الأردن عرضة لضغوط الدين وتداعيات الصراع الإقليمي. أما المغرب، فيواجه تراجعاً في توقعات النمو وتأثراً بالطلب الخارجي، بينما تعاني تونس ارتفاع الدين وضعف النمو. وتبقى تحديات لبنان أشد حدة بسبب الأضرار المرتبطة بالصراع والتضخم المرتفع وعبء الدين.
يتوقع الصندوق انكماش اقتصادات مجلس التعاون الخليجي بنسبة 4.8% في عام 2026، قبل أن تعود إلى النمو بنسبة 9.1% في عام 2027. ومن المتوقع أن يكون الانكماش في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي أكثر محدودية، عند 0.8%، ما يعكس قدرة بعض الأنشطة الاقتصادية خارج قطاع الطاقة على الصمود نسبياً.
ورغم أن النشاط غير النفطي حافظ على أداء أفضل من المتوقع في عدد من الدول، تضررت السياحة والتجارة. وتشكل عُمان حالة مختلفة نسبياً، نظراً إلى تعرضها المحدود لاضطرابات مضيق هرمز وزيادة إنتاجها.
وأشار الصندوق أيضاً إلى التقدم الذي أحرزته اقتصادات الخليج في تنويع صادراتها خلال العقدين الماضيين. لكن النقل البحري لا يزال يستحوذ على 81% من صادرات السلع الخليجية، ما يبقي المنطقة عرضة للاضطرابات في ممرات الشحن الرئيسية.
أبرز الخلاصات
يسلّط صندوق النقد الدولي الضوء على خمس خلاصات رئيسية: تتركّز الصدمة الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي والعراق، فيما تواصل معظم الاقتصادات غير النفطية ودول القوقاز وآسيا الوسطى تحقيق النمو. وتتراجع قدرة الاقتصادات على الصمود، رغم الدعم الذي توفره التحويلات المالية والسياحة والدعم الحكومي والمخزونات، مع اتساع العجز المالي. ويُعدّ لبنان من أكثر الاقتصادات غير النفطية هشاشة، إذ يواجه انكماشاً مدفوعاً بالصراع، وأعلى معدل تضخم بين الدول المستوردة للنفط في المنطقة، وعبئاً مرتفعاً من الدين العام، فيما لا يزال مسار تعافيه غير واضح. كما تجعل مستويات الدين المرتفعة واحتياجات التمويل الكبيرة دولاً مثل مصر وتونس والأردن والجزائر وباكستان عرضةً للضغوط الاقتصادية. وأخيراً، رغم التقدم الذي أحرزته دول مجلس التعاون الخليجي في تنويع صادراتها، فإن اعتمادها على طرق التجارة البحرية يبقيها عرضةً للاضطرابات في الممرات البحرية الحيوية.