
لبنان – أثارت حالات التريشينيلا المسجّلة مؤخراً في لبنان مخاوف بشأن المخاطر الصحية المرتبطة بتناول اللحوم النيئة أو غير المطهوة جيداً، كما سلّطت الضوء على أهمية مراقبة مصادر اللحوم وظروف تخزينها وطرق التعامل معها.
وقد سُجّلت أكثر من 20 حالة مؤكدة ومشتبه بها، وفق معلومات حصلت عليها انمائية من الدكتورة ندى شمس الدين، العضو في لجنة الأمراض الجرثومية في وزارة الصحة العامة اللبنانية.
وقد بدأت القضية بالظهور بعد إصابة أربعة أشخاص ظهرت عليهم أعراض متشابهة، إثر تناولهم الطعام في المطعم نفسه. وعلى أثر ذلك، أطلقت وزارة الصحة العامة تحقيقاً لتحديد مصدر العدوى.
وأظهر التحقيق أن المطعم كان يحصل على اللحوم من مستودع غير مرخّص. وسُجّلت لاحقاً حالات إضافية ظهرت عليها أعراض مشابهة.
ما هو مرض التريشينيلا وكيف ينتقل؟
التريشينيلا هي عدوى طفيلية تنتقل عبر الغذاء، وتنتج عن تناول لحوم ملوّثة بيرقات الطفيلي. وترتبط بشكل أساسي بلحوم الخنزير النيئة أو غير المطهوة جيداً، سواء كانت من الخنازير المنزلية أو البرية. إلا أن الطفيلي قد ينتقل أيضاً عبر لحوم حيوانات أخرى مصابة، من بينها الدببة والفقمات والكلاب.
تنتقل العدوى من خلال تناول اللحوم أو منتجات اللحوم الملوّثة. ويُشكّل التلوث المتبادل أيضاً أحد مخاطر سلامة الغذاء، إذ يمكن أن تنتقل بقايا اللحوم الملوّثة إلى أطعمة أخرى عبر السكاكين وألواح التقطيع وآلات فرم اللحوم أو غيرها من الأدوات التي لم تُنظّف وتُعقّم بشكل صحيح.
وفي ما يتعلق بالحالات المسجّلة في لبنان، أكدت الدكتورة شمس الدين أن عددها تجاوز 20 حالة، تشمل إصابات مؤكدة وأخرى مشتبه بها استناداً إلى الأعراض السريرية.
وشددت على أن المرض لا ينتقل من شخص إلى آخر، وأن مخالطة شخص مصاب لا تشكّل خطراً على الآخرين. إذ تحدث العدوى حصراً نتيجة تناول لحوم ملوّثة.
مرحلتان من الأعراض ومضاعفات محتملة
تمرّ عدوى التريشينيلا بمرحلتين.
وبحسب الدكتورة شمس الدين، تترافق المرحلة الأولى مع أعراض في الجهاز الهضمي، تظهر عادة خلال يوم أو يومين من تناول الطعام الملوّث.
وقد تشمل الأعراض تقلصات في البطن وآلاماً شديدة في المعدة، وإسهالاً أو إمساكاً، وضعفاً عاماً وإرهاقاً وحمى وقشعريرة.
وتحدث هذه الأعراض عندما تصل اليرقات إلى الجهاز الهضمي، حيث تنفتح الأكياس الصغيرة التي تحتوي عليها، فتتحرر اليرقات داخل الأمعاء وتتسبب بمشكلات هضمية.
وقد تستمر هذه الأعراض نحو أسبوع، وفق ما أوضحت الدكتورة شمس الدين.
أما المرحلة الثانية، فتبدأ عندما تخترق اليرقات جدار الأمعاء وتدخل مجرى الدم. ووفقاً للدكتورة شمس الدين، قد تظهر هذه المرحلة بعد نحو ستة إلى ثمانية أسابيع من بدء الإصابة، في حال لم يُشخّص المرض ويُعالج مبكراً.
بعد ذلك، تنتقل اليرقات عبر الدم وقد تستقر في أجزاء مختلفة من الجسم، وتُعدّ العضلات، ولا سيما العضلات الهيكلية، الموقع الأكثر شيوعاً لاستقرارها.
وعندما تصل اليرقات إلى الخلايا العضلية، يتفاعل الجهاز المناعي معها، ما يؤدي إلى حدوث التهاب في الأنسجة العضلية. وقد يسبب ذلك آلاماً شديدة في العضلات والجسم، إلى جانب الحمى والصداع. كما قد تستمر بعض الأعراض الهضمية خلال هذه المرحلة.
ولا تقتصر المضاعفات على العضلات، إذ يمكن أن يؤثر الطفيلي أيضاً في أعضاء أخرى، من بينها الرئتان والقلب والجهاز العصبي.
وقد تكون هذه المضاعفات خطيرة وتهدد الحياة. وعلى الرغم من ندرة ذلك، فإن الإصابات الشديدة قد تؤدي إلى الوفاة.
لماذا يُعدّ التدخل المبكر مهماً؟
شددت الدكتورة شمس الدين على أن التشخيص المبكر أساسي لمنع تطور المرض وتسببه بمضاعفات.
ويمكن أن يساعد التعرّف إلى الأعراض خلال المرحلة الأولى الأطباء على الاشتباه بوجود العدوى، قبل انتشار اليرقات إلى العضلات والأعضاء الأخرى.
ومن المؤشرات المحتملة ارتفاع عدد الخلايا الحمضية (Eosinophils)، وهي نوع من خلايا الدم البيضاء. وقد يدعم ارتفاع عددها الاشتباه بالإصابة.
لكن ارتفاع عدد الخلايا الحمضية وحده لا يؤكد الإصابة بالتريشينيلا، بل يتعين على الأطباء تقييمه إلى جانب أعراض المريض ونتائج الفحوص الطبية الأخرى.
وأوضحت الدكتورة شمس الدين أن العلاج يعتمد على الأدوية المضادة للطفيليات.
ويكتسب بدء العلاج مبكراً أهمية خاصة، قبل تطور العدوى ووصول اليرقات إلى العضلات والأعضاء الأخرى، حيث قد تتسبب بمضاعفات إضافية.
سلامة الغذاء تبدأ من مصدر اللحوم
تتطلب الوقاية من الإصابة بالتريشينيلا الاهتمام بجميع مراحل سلسلة الإمداد الغذائي، بدءاً من إنتاج اللحوم وفحصها، وصولاً إلى تخزينها ونقلها وتحضيرها واستهلاكها.
ويتمثل أهم إجراء وقائي على المستوى الفردي في تجنب تناول اللحوم النيئة أو غير المطهوة جيداً، والتأكد من طهيها بشكل كامل قبل استهلاكها.
ولا تقل معرفة مصدر اللحوم أهمية عن طريقة تحضيرها. لذلك، ينبغي للمستهلكين شراء اللحوم من موردين موثوقين ومرخّصين، وتجنب المنتجات مجهولة المصدر.
كما أن مراقبة الإنتاج والتخزين والتوزيع ضرورية لحماية المستهلكين، تماماً كالتأكد من مصدر اللحوم وطريقة تحضيرها.
وشددت الدكتورة شمس الدين على ضرورة مراقبة مستودعات اللحوم، والتأكد من حيازتها التراخيص المطلوبة، والتفتيش بانتظام على ظروف التخزين ومصادر المنتجات. كما أكدت أهمية اتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المستودعات غير المرخّصة.
ويُعدّ منع التلوث المتبادل إجراءً أساسياً آخر، ويتطلب الالتزام بممارسات سليمة في التعامل مع اللحوم وتقطيعها، وتجنب استخدام الأدوات والأسطح نفسها لأنواع مختلفة من اللحوم من دون تنظيفها وتعقيمها بشكل صحيح.
ولا تقع مسؤولية ضمان سلامة الغذاء على جهة واحدة، بل تتطلب التنسيق بين الوزارات والمؤسسات العامة المعنية والبلديات وسائر الجهات المعنية، لتعزيز الرقابة وتطبيق معايير سلامة الغذاء والحد من المخاطر الصحية.
وتشكّل الحالات المسجّلة تذكيراً بأن سلامة الغذاء لا تبدأ عند وصول الطعام إلى المائدة، بل تبدأ من مصدر اللحوم، وتستمر عبر مراحل إنتاجها وتخزينها ونقلها والتعامل معها.