
العالم– يمرّ العالم بمرحلة تحوّل تتجاوز بكثير تعثر التقدم في أهداف التنمية المستدامة أو تراجع التمويل المخصص للتنمية.
وفيما تسابق الحكومات الزمن لتعويض ما فاتها في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، قد لا يعود السؤال الأساسي مقتصراً على سبب ضعف التنفيذ. إذ يبرز سؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يجعل تحقيق التنمية أكثر صعوبة؟
تتطلب الإجابة النظر إلى الصورة الأوسع. فالتجزؤ الجيوسياسي، وضيق الحيز المالي، والتغير التكنولوجي، والضغوط الديموغرافية، والتحولات في أنماط الاستثمار العالمي، كلها تعيد تشكيل البيئة التي تتحقق فيها التنمية. وقد لا تعود الافتراضات التي تستند إليها كثير من سياساتنا ومؤسساتنا ونماذجنا التنموية صامدة بالقدر الذي كانت عليه سابقاً.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن تسريع التقدم سيتطلب أكثر من مجرد تنفيذ الحلول القائمة بوتيرة أسرع. وقد يستدعي ذلك التساؤل عما إذا كانت الأطر التي توجه هذه الحلول لا تزال ملائمة للعالم الذي يفترض أن تُحدث فيه تغييراً.
في 23 أيلول 2026، تعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ81 اجتماعاً رفيع المستوى بمناسبة الذكرى الأربعين لإعلان الحق في التنمية، بالتزامن مع فعالية حول أهداف التنمية المستدامة. ويجمع هذا التوقيت سؤالين مترابطين في إطار سياسي واحد: كيف يمكن تسريع التقدم في مجال التنمية؟ وما الذي يعنيه الحق في التنمية بعد أربعين عاماً من اعتماده، في عالم يختلف كثيراً عن عالم عام 1986؟
وقد وضع الإعلان الأصلي الإنسان في صميم عملية التنمية، ليس باعتباره مستفيداً منها فحسب، بل مشاركاً فاعلاً فيها. كما شدد على أهمية المشاركة الفعلية والتوزيع العادل لمنافع التنمية.
وبعد أربعين عاماً، يجعل الذكاء الاصطناعي هذه المبادئ أكثر ارتباطاً بالواقع من أي وقت مضى.
مشهد مالي متغير
تتراجع موارد التنمية التقليدية بسرعة. ووفقاً لبيانات أولية صادرة عن منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD)، انخفضت المساعدات الإنمائية الرسمية بنسبة 23.1% بالقيمة الحقيقية في عام 2025، لتصل إلى 174.3 مليار دولار، في أكبر تراجع سنوي مسجل على الإطلاق.
وفي الوقت نفسه، تتدفق كميات هائلة من رؤوس الأموال إلى الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المرتبطة به، بما في ذلك مراكز البيانات، والرقائق الإلكترونية، والقدرات الحوسبية، والطاقة، والبحث العلمي.
ولا يتعلق الأمر ببساطة بقصة ندرة في الموارد، بل أيضاً بإعادة ترتيب الأولويات.
ويتمحور السؤال بشكل متزايد حول الدول القادرة على جذب هذه الاستثمارات، وتحويلها إلى إنتاجية وقدرات محلية، والارتقاء في سلسلة القيمة التكنولوجية، وتلك التي قد تجد نفسها على هامشها.
كما بدأت النقاشات حول مستقبل المساعدات تتحول في الاتجاه نفسه، من تمويل المشاريع الفردية فقط إلى تعزيز المؤسسات، والموارد المحلية، ورأس المال البشري، والقدرات الإنتاجية.
ولا يعني ذلك أن المساعدات أصبحت أقل أهمية. فهي لا تزال أساسية في مجالات الصحة والتعليم والاستجابة الإنسانية والبيئات الهشة. لكن ذلك يطرح سؤالاً أوسع: هل يُقاس التعاون الإنمائي فقط بحجم التمويل الذي يقدمه، أم أيضاً بمدى مساهمته في بناء الأنظمة التي تمكّن الدول من رسم مسارات تنميتها بنفسها؟
من الشمول الرقمي إلى القدرة التكنولوجية
ويضيف الذكاء الاصطناعي بعداً جديداً إلى هذا السؤال.
فإذا أصبحت القدرة الاقتصادية المستقبلية تعتمد بشكل متزايد على البيانات، والقدرات الحوسبية، والمهارات، والبحث العلمي، والبنية التحتية الرقمية، فقد لا يقتصر الانقسام التنموي المقبل على مستوى الدخل أو الوصول إلى الإنترنت، بل قد يتحول بشكل متزايد إلى فجوة في القدرة التكنولوجية.
فامتلاك إمكانية الوصول إلى الإنترنت، أو حتى الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، لا يعني امتلاك هذه القدرة.
والسؤال الأهم هو ما إذا كانت الدول قادرة على استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة منتجة، وتكييفه مع احتياجاتها المحلية، ووضع أطر حوكمته، والمشاركة في تطويره، والاستفادة من حصة ملموسة من القيمة الاقتصادية والاجتماعية التي يولدها.
ومن دون هذه القدرات، قد يظهر شكل جديد من التبعية التكنولوجية والمعرفية. وبالتالي، قد تحتاج السياسات التنموية إلى تجاوز المفهوم التقليدي لـ«الشمول الرقمي» نحو سؤال أوسع يتعلق بالقدرة على التأثير في المسار التكنولوجي وتوجيهه.
مسار سياساتي 2024–2026
تشير الاتفاقات الدولية الأخيرة إلى أن هذا التحول بدأ بالفعل.
فقد تجاوز التزام إشبيلية، الذي اعتُمد خلال المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية عام 2025، مسألة فجوة التمويل، وشدد على الحيز المتاح للسياسات الوطنية، وتعبئة الموارد المحلية، وبناء القدرات. كما دعا إلى زيادة الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، والبحث العلمي، وقدرات الذكاء الاصطناعي في البلدان النامية، إلى جانب ضمان مشاركتها الفعلية في الحوكمة الدولية للذكاء الاصطناعي.
وبعبارة أخرى، لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة للتنمية، بل أصبحت القدرة التكنولوجية جزءاً متزايد الأهمية من القدرة التنموية نفسها.
ويأتي التزام إشبيلية، الذي اعتُمد في المؤتمر الدولي لتمويل التنمية في إسبانيا، ضمن مسار أوسع.
فقد ربط ميثاق المستقبل لعام 2024 التنمية بقضايا الحوكمة العالمية والسلام والأمن والتكنولوجيا. ودفع الميثاق الرقمي العالمي النقاش الرقمي إلى ما هو أبعد من مجرد الاتصال، ليشمل البيانات والذكاء الاصطناعي والحوكمة. وربط التزام إشبيلية بين التمويل والقدرات المحلية والتكنولوجيا. أما الإعلان السياسي للدوحة، الذي اعتُمد في تشرين الثاني 2025 خلال القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية، فأعاد التركيز إلى الإنسان من خلال الحد من الفقر، والعمل اللائق، والحماية الاجتماعية.
وتشير هذه الأطر مجتمعة إلى أن النقاش حول التنمية يتسع، ويصبح أكثر ترابطاً، ويصعب فصله عن التحولات التكنولوجية والجيوسياسية التي يشهدها العالم.
إعادة النظر في الحق في التنمية
تتيح الذكرى الأربعون للحق في التنمية، خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، فرصة لجمع هذه المسارات ضمن رؤية واحدة.
فإذا كانت المعرفة والبيانات والذكاء الاصطناعي تؤدي دوراً متزايداً في الإنتاجية والتعليم والخدمات العامة وقدرات الدولة، فقد تحتاج التنمية أيضاً إلى معالجة قدرة الدول على المشاركة في تطوير التكنولوجيا وتكييفها وحوكمتها، والاستفادة بصورة عادلة من القيمة التي تنتجها.
ولا يعني ذلك تحويل الحق في التنمية إلى "حق في الذكاء الاصطناعي"، بل إعادة النظر في معنى القدرة والفاعلية والإنصاف في وقت تتغير فيه مصادر القوة الاقتصادية نفسها.
كما يعيد الذكاء الاصطناعي دور الدولة إلى الواجهة. فالاستفادة من التحول التكنولوجي تتطلب استثمارات استراتيجية في التعليم والبحث العلمي والبنية التحتية والمهارات وحوكمة البيانات.
ويبقى وراء ذلك كله سؤال يتعلق بتوزيع المكاسب: من سيحصل على مكاسب الإنتاجية التي يولدها الذكاء الاصطناعي؟
فقد يرتفع الناتج الاقتصادي بينما تتسع أوجه عدم المساواة. وقد تتحسن الإنتاجية بينما تتعمق حالة انعدام الأمان الاقتصادي. فالتقدم التكنولوجي، بحد ذاته، لا يحدد كيفية توزيع ثماره.
ويبقى ذلك خياراً سياسياً وتنموياً.
من الوصول إلى القدرة على التأثير
قد يكون التحول الجاري أقل ارتباطاً بالأدوات الجديدة وأكثر ارتباطاً بإعطاء الأولوية للقدرة على التأثير، من المساعدات إلى بناء القدرات، ومن الوصول إلى المشاركة، ومن الشمول الرقمي إلى القدرة التكنولوجية.
ولا يعني ذلك التخلي عن المساعدات، كما لا يعني اختزال التنمية في الحصول على التكنولوجيا. بل يعني تمكين الدول من تحديد أولوياتها، وبناء قدراتها المحلية، وتكييف التكنولوجيا مع احتياجاتها، والحصول على حصة عادلة من القيمة التي تولدها.
ويجب أن يبقى الإنسان والإنصاف والحق في التنمية في صميم هذا التحول.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، قد لا يعود السؤال مقتصراً على كيفية استخدام التكنولوجيا من أجل التنمية، بل قد يصبح بشكل متزايد، هل تمتلك المجتمعات القدرة والفاعلية لتشكيل المستقبل التكنولوجي الذي يُبنى من حولها؟
وبالتالي، لا يتعلق السؤال فقط بما إذا كانت التنمية تحتاج إلى أدوات أفضل، بل بما إذا كان نموذج التنمية نفسه يحتاج إلى تحديث.


