
العالم – لم يتبقَّ سوى أربع سنوات حتى عام 2030، فيما دخلت أهداف التنمية المستدامة مرحلة حاسمة. وتكشف الأرقام التي جرى تسليط الضوء عليها خلال فعالية أهداف التنمية المستدامة لعام 2026 عن واقع مقلق: فمن أصل 139 غاية تتوافر بشأنها بيانات حول مسار التقدم، تسير 36 في المئة فقط على المسار الصحيح أو تحرز تقدماً معتدلاً. في المقابل، تتقدم 49 في المئة بوتيرة أبطأ من المطلوب، فيما تراجعت 15 في المئة إلى ما دون مستويات عام 2015.
وتؤكد هذه الأرقام الحاجة الملحّة إلى تسريع وتيرة العمل. لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالاً أعمق: بعد أكثر من عقد على بدء تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، ما القدرات التنموية التي تحتاج إليها المجتمعات لتحويل الالتزامات العالمية إلى تقدم مستدام وقابل للاستمرار؟
ويعكس تطور أجندة التنمية العالمية اتساعاً تدريجياً في فهم متطلبات التنمية. فقد ركزت الأهداف الإنمائية للألفية على تلبية الاحتياجات الإنسانية الأكثر إلحاحاً، بينما وسّعت أهداف التنمية المستدامة هذا المنظور، من خلال الإقرار بالترابط بين الفقر والتعليم وعدم المساواة والمناخ والمؤسسات والسلام، وبأن تحقيق التنمية مسؤولية مشتركة بين جميع الدول.
وفي السنوات الأخيرة، اتسع النقاش مرة أخرى. فقد رسّخ ميثاق المستقبل والميثاق الرقمي العالمي مكانة الأجيال المقبلة والتكنولوجيا والبيانات والحوكمة في أجندة التنمية، فيما أعاد التزام إشبيلية والإعلان السياسي للدوحة التركيز على قضايا التمويل، والقدرات المؤسسية، والعمل اللائق، والإدماج الاجتماعي.
وإذا نظرنا إلى هذا التطور باعتباره مساراً متواصلاً، لا مجرد تعاقب لأطر تنموية مختلفة، فإنه يعكس تحولاً أعمق: من التركيز على النتائج التي تسعى التنمية إلى تحقيقها، إلى التركيز على القدرات التي يحتاج إليها الأفراد والمجتمعات لتحقيق هذه النتائج والحفاظ عليها، والمساهمة في رسم مسارها مستقبلاً.
ولا يزال إتاحة الوصول إلى الخدمات والفرص أمراً أساسياً، لكنه لم يعد كافياً. فالناس يحتاجون إلى التعليم والخدمات الصحية والبنية التحتية والتمويل والاتصال الرقمي والتكنولوجيا. غير أن الوصول إلى هذه الموارد لا يضمن بالضرورة امتلاك القدرة على اتخاذ القرارات، والتأثير في السياسات، أو إنتاج القيمة.
فقد ينجح بلد في توفير وصول واسع إلى تقنيات متقدمة، لكنه يظل معتمداً على المعارف والأنظمة التي طُوّرت في دول أخرى. وقد تعتمد مؤسسة عامة تقنيات الذكاء الاصطناعي من دون امتلاك البيانات أو المهارات أو أطر الحوكمة اللازمة لاستخدامها بفاعلية. كما قد تستخدم جامعة تقنيات متطورة من دون أن تمتلك القدرات البحثية التي تمكّنها من الإسهام في تطويرها.
وهنا تبرز أهمية القدرة على الفعل والتأثير. فهذه القدرة لا تقتصر على استخدام الأنظمة التي تشكل مستقبلنا، بل تشمل فهمها وتكييفها وحوكمتها والمشاركة في تطويرها وتوجيهها. وفي سياق التنمية، يعني ذلك تعزيز قدرة الأفراد والمؤسسات والدول على تحديد أولوياتها، وإنتاج المعرفة، واتخاذ قرارات مستنيرة بشأن مساراتها التنموية.
ويعيد هذا المنظور أيضاً تشكيل طريقة النظر إلى التعاون الإنمائي. فلا ينبغي أن يقتصر تقييم التدخلات التنموية على عدد المشاريع التي جرى تمويلها، أو الخدمات التي قُدّمت، أو الأشخاص الذين استفادوا منها، بل يجب أن يمتد إلى ما يبقى بعد انتهاء هذه التدخلات.
فهل أسهمت المشاريع في تعزيز القدرات المؤسسية؟ وهل جرى تطوير المعرفة محلياً؟ وهل أصبحت المجتمعات أكثر قدرة على المشاركة في صنع القرار؟ وهل باتت الدول أكثر قدرة على حشد الموارد وتحديد أولوياتها التنموية بنفسها؟
ويتقاطع هذا الطرح بصورة وثيقة مع إعلان الحق في التنمية، الذي يصادف هذا العام الذكرى الأربعين لاعتماده. فالإعلان لا ينظر إلى الناس باعتبارهم مجرد مستفيدين من التنمية، بل باعتبارهم شركاء ومساهمين فيها. وفي عالم يتزايد فيه تأثير المعرفة والتكنولوجيا والبيانات في تشكيل المستقبل، تكتسب هذه الرؤية أهمية متجددة.
فالمشاركة الفاعلة في التنمية لا تتحقق بمجرد إتاحة الفرص، بل تتطلب امتلاك القدرة على التأثير في الظروف التي تُنشأ فيها هذه الفرص وتُوزع من خلالها.
ومع اقتراب المجتمع الدولي من قمة أهداف التنمية المستدامة لعام 2027 وبدء التفكير في المرحلة التي ستلي عام 2030، تبرز مجموعة من الأسئلة التي تستحق اهتماماً أكبر: هل تساهم التدخلات التنموية في بناء قدرات تستمر بعد انتهائها؟ وهل تعزز الدول قدرتها على البحث والتكيف والابتكار، أم تبقى في موقع المستهلك للمعارف والتكنولوجيات التي تنتجها دول أخرى؟ وهل يقتصر دور الناس على الاستفادة من التنمية والمشاركة فيها، أم أنهم يكتسبون قدرة أكبر على توجيه مسارها؟
وتجعل الحاجة الملحّة إلى تسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة هذه الأسئلة أكثر أهمية. فتسريع التقدم يظل ضرورياً، لكن استدامته ستعتمد في نهاية المطاف على قدرة المجتمعات على الحفاظ على ما تحقق، والتكيف مع المتغيرات، وتطوير قدراتها الذاتية.
وفي المرحلة المقبلة، لن يقتصر تقييم أجندة التنمية على مدى اتساع نطاق الفرص المتاحة، بل سيشمل أيضاً قدرة الأفراد والمؤسسات والدول على تحويل هذه الفرص إلى قدرات تنموية مستدامة، والمشاركة في تحديد مسارات التنمية وصياغة مستقبلها.

