
الشرق الأوسط — لم يكن هدف جون وود تأسيس واحدة من أسرع المنظمات التعليمية غير الربحية نمواً في العالم. ففي سن الخامسة والثلاثين، ترك منصبه كمدير لتطوير الأعمال في منطقة الصين الكبرى لدى شركة مايكروسوفت، ليؤسس منظمة Room to Read بعد لقاء عابر مع مدير مدرسة في نيبال كان بحاجة إلى المساعدة في تجهيز مكتبة مدرسية. تلك اللحظة شكّلت الأساس لما أصبح لاحقاً منظمة عالمية: Room to Read.
اليوم، تعمل المنظمة خارج جذورها في جنوب آسيا، مع حضور متنامٍ وملحوظ في منطقة الشرق الأوسط، حيث غالباً ما تتشكل الأنظمة التعليمية تحت تأثير النزاعات والنزوح وعدم الاستقرار.
تقول ديما العابد، مديرة المشاريع في المنظمة بالمنطقة، لـ"إنمائية":
“في الشرق الأوسط، تُترجم مهمة Room to Read في تعزيز مهارات القراءة الأساسية ومهارات الحياة من خلال نهج سياقي يدعم الأطفال بطريقة كريمة وعادلة بين الجنسين، لا سيما في البيئات المتأثرة بالنزاعات والنزوح وعدم الاستقرار.”
وبدلاً من تطبيق نموذج موحّد، تعمل المنظمة في لبنان والأردن وفلسطين من خلال شراكات مع الحكومات والمدارس والمنظمات المحلية، بهدف إبقاء أنظمة التعليم مستمرة حتى عند تعطل البنى الرسمية.
وتوضح العابد:
“نعمل مباشرة مع الأطفال والمعلمين، وفي الوقت نفسه نتعاون مع الحكومات والمدارس والمنظمات المحلية لتعزيز أنظمة التعليم وضمان استمرارية التعلم في البيئات الرسمية وغير الرسمية.”
ومنذ إطلاق عملها في المنطقة عام 2017، وصلت المنظمة إلى نحو 300 ألف طفل، ودعمت 58 مدرسة، ووزعت أكثر من 1.1 مليون كتاب باللغة العربية.
مع استمرار حالة عدم الاستقرار في أجزاء من الشرق الأوسط، بدأت استراتيجية Room to Read بالتغير.
تقول العابد:
“في الشرق الأوسط تحديداً، نواصل تعميق أثرنا من خلال استراتيجيتنا الإقليمية، مع التركيز على برامج قابلة للتوسع في مهارات القراءة والحياة، وتعزيز الشراكات، والدمج على مستوى الأنظمة لضمان وصول المزيد من الأطفال إلى التعلم الأساسي في سياقات متأثرة بالأزمات.”
وتستند هذه الاستراتيجية إلى "صندوق الشرق الأوسط"، وهو مبادرة متعددة السنوات تهدف إلى توسيع البرامج في الدول الحالية والجديدة بالمنطقة.
وتوضح المنظمة أن:
“صندوق الشرق الأوسط التابع لـRoom to Read هو مبادرة إقليمية مخصصة لتوسيع الوصول إلى مهارات القراءة الأساسية ومهارات الحياة للأطفال المتأثرين بالنزاعات والنزوح وعدم المساواة في التعليم في أنحاء المنطقة.”
وتبلغ قيمة الصندوق نحو 5 ملايين دولار بين عامي 2025 و2027، ويركّز على تطوير مناهج القراءة باللغة العربية، وتوسيع تدريب المعلمين، وإنشاء مساحات تعلم آمنة، إضافة إلى استكشاف العمل في دول مثل مصر والعراق وسوريا والإمارات.
لا مكان تظهر فيه الحاجة إلى المرونة أكثر من لبنان، حيث يفرض الانهيار الاقتصادي الطويل وعدم الاستقرار المستمر ضغوطاً كبيرة على المدارس والأسر.
تقول العابد:
“لقد عزز استمرار عدم الاستقرار في لبنان الحاجة إلى برامج مرنة وسريعة الاستجابة من Room to Read.”
وتضيف:
“نهجنا يركز على استمرارية التعلم، مع إدراك أن الأطفال يتعلمون في بيئات غير مستقرة وسريعة التغير.”
عملياً، يعني ذلك تصميم تعليم يمكن أن ينتقل مع الأطفال بين المدارس والملاجئ والمجتمعات، دون فقدان الجودة أو البنية.
وتوضح:
“اليوم، يشمل عملنا في لبنان ثلاثة مكونات أساسية: أنشطة القراءة الجماعية وسرد القصص في المكتبات، وبرامج تعزيز مهارات القراءة، ودعم مهارات الحياة، بما في ذلك الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال الذين تعرضوا لصدمات خلال الحرب.”
ومن بين التعديلات، تطوير نماذج مكتبات وقراءة مرنة تعمل في المدارس والملاجئ والمساحات المجتمعية.
وتقول:
“استجابةً للنزوح وإغلاق المدارس، عملت Room to Read مع شريكها المحلي المنظمة اللبنانية للدراسات والتدريب (LOST)، وبالتنسيق المباشر مع وزارة التربية والتعليم العالي، لتقديم جلسات قراءة منظمة في أماكن الطوارئ.”
وتجمع هذه الجلسات بين القراءة الجماعية، وسرد القصص، والنقاش، والرسم، لدعم التعلم والرفاه النفسي في آنٍ واحد. كما تم تعديل المناهج لتناسب سياقات الأزمة.
وتضيف:
“قمنا أيضاً بتكييف منهج الصف الأول باللغة العربية الفصحى للأطفال من عمر 6 و7 سنوات المقيمين في الملاجئ، لضمان استمرارية التعلم ومنع حدوث فجوات تعليمية.”
أما للأطفال الأكبر سناً، فقد تم تطوير برامج مهارات الحياة بما يعكس واقعهم اليومي.
وتوضح:
“قمنا بتجربة منهج بعد المدرسة لمهارات الحياة للفئة العمرية بين 10 و14 عاماً، مع تركيز خاص على حل النزاعات، وهو موضوع يرتبط مباشرة بتجارب الأطفال في لبنان اليوم.”
لا يُقاس النجاح في Room to Read بعدد المستفيدين فقط، بل بنتائج التعلم.
تقول العابد:
“الأثر يعني أن الأطفال يطوّرون مهارات القراءة الأساسية ومهارات الحياة التي تمكّنهم من مواصلة التعلم وبناء الثقة وخلق فرص لأنفسهم ولمجتمعاتهم.”
وتشير إلى أن الأطفال في بعض البرامج يظهرون “تحسناً يصل إلى الضعف في سرعة القراءة والاستيعاب مقارنة بأقرانهم”.
لكن العمل في البيئات الهشة يفرض تحديات مستمرة.
تقول العابد:
“من أبرز التحديات الحفاظ على استمرارية التعلم خلال عدم الاستقرار، وتأمين مواد تعليمية عالية الجودة، ودعم المعلمين الذين يعملون في ظروف صعبة.”
في لبنان، حتى اللوجستيات تصبح عائقاً بسبب ارتفاع التكاليف وتقييد الحركة. ومع ذلك، تلعب الشراكات المحلية دوراً محورياً في الصمود.
وقد تجلى ذلك عندما أدى توزيع واسع للكتب إلى إنشاء “أكثر من 300 ركن قراءة في أنحاء لبنان في أكثر المناطق حاجة”.
كما أصبحت الملكية المجتمعية جزءاً من هوية المكتبات، حيث يشارك فنانون محليون في رسم الجداريات داخلها.
تهدف المنظمة خلال السنوات المقبلة إلى توسيع نطاق عملها بشكل كبير ودمج برامجها ضمن أنظمة التعليم الوطنية.
تقول العابد:
“النجاح يعني توسيع الوصول إلى مهارات القراءة والحياة للأطفال في المنطقة، ودمج نهج Room to Read ضمن الأنظمة التعليمية الوطنية لضمان الاستدامة.”
وبحلول عام 2027، تهدف المنظمة إلى الوصول إلى 100 ألف طفل سنوياً وتوسيع عملها إلى أربع دول على الأقل.
وتختتم:
“التمويل والشراكات المستقبلية ضرورية لتوسيع المحتوى المحلي، وتعزيز تدريب المعلمين، وتوسيع نماذج المكتبات والتعليم غير الرسمي، وضمان استمرار تعلم الأطفال بكرامة رغم التحديات.”