
آسيا – تُعتبر منطقة آسيا-المحيط الهادئ على نحو متزايد في طليعة المرحلة المقبلة من الذكاء الاصطناعي، مدفوعةً بموقعها الاستراتيجي في سلاسل التوريد التكنولوجية العالمية، والتوسع السريع في الأتمتة الصناعية، وتزايد الطلب على الكفاءة في ظل الضغوط الديموغرافية، وذلك وفق تحليل صادر عن ياسوشي ساساكي، المدير الإداري والشريك الأول في مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG).
ورغم امتلاك المنطقة لمزايا هيكلية قوية، يحذر التقرير من أن الريادة في الذكاء الاصطناعي لن تعتمد فقط على تبني التكنولوجيا، بل على التحول المؤسسي العميق، والحوكمة، والاستراتيجيات القائمة على البيانات.
المزايا الهيكلية لآسيا-المحيط الهادئ في الذكاء الاصطناعي
تحتل المنطقة موقعًا محوريًا في سلسلة القيمة العالمية للذكاء الاصطناعي، حيث تساهم عدة اقتصادات بقدرات ومكونات أساسية.
تتصدّر تايوان مجال تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة، فيما تهيمن كوريا الجنوبية على إنتاج الذاكرة عالية النطاق الترددي (HBM)، وتُعد اليابان رائدة عالميًا في الروبوتات وأنظمة التصنيع الدقيقة، بينما تمثل الصين أحد أكبر أسواق نشر الذكاء الاصطناعي والأتمتة الصناعية.
وتجعل هذه القدرات مجتمعة منطقة آسيا-المحيط الهادئ في قلب البنية التحتية اللازمة لتشغيل الجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي.
العوامل الديموغرافية
يُعد الضغط الديموغرافي عاملًا رئيسيًا في تسريع تبني الذكاء الاصطناعي في المنطقة، حيث تؤدي شيخوخة السكان وتقلص القوى العاملة في عدد من الاقتصادات إلى زيادة الحاجة للأتمتة ورفع الإنتاجية.
من المتوقع أن يستمر تراجع القوة العاملة في اليابان خلال العقود المقبلة، بينما ستشهد كوريا الجنوبية ارتفاعًا كبيرًا في نسبة كبار السن. كما تواجه الصين تحولات ديموغرافية طويلة الأمد مرتبطة بانخفاض معدلات الولادة.
هذه الاتجاهات تدفع الحكومات والصناعات إلى تسريع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والروبوتات لضمان استمرارية النمو الاقتصادي.
ارتفاع تبني الذكاء الاصطناعي والروبوتات صناعيًا
تتصدر آسيا-المحيط الهادئ عالميًا في نشر الروبوتات الصناعية وتقنيات الأتمتة.
تشير بيانات حديثة إلى أن غالبية الروبوتات الصناعية الجديدة تُنشر في المصانع الآسيوية. وتُعد كوريا الجنوبية الأعلى عالميًا من حيث كثافة الروبوتات، بينما تمتلك الصين ملايين الروبوتات الصناعية، وتواصل اليابان تطوير قطاع التصنيع شديد الأتمتة.
كما تُظهر أبحاث BCG أن نسبة كبيرة من الموظفين في الخطوط الأمامية في المنطقة يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل منتظم في عملهم اليومي.
التحول نحو “الذكاء الاصطناعي المادي”
من المتوقع أن تنتقل الموجة القادمة من الذكاء الاصطناعي من التطبيقات الرقمية إلى البيئات المادية، بما في ذلك المصانع، وسلاسل التوريد، وأنظمة الرعاية الصحية، وشبكات النقل، والروبوتات العاملة في العالم الحقيقي.
هذا التحول سيجعل الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من الأنظمة التشغيلية، مما يتطلب إعادة التفكير في آليات اتخاذ القرار، وتصميم سير العمل، والتكامل بين الإنسان والآلة.
فجوة التحول في المؤسسات
على الرغم من التبني القوي، يسلّط التقرير الضوء على تحدٍ رئيسي: العديد من المؤسسات لا تغيّر طريقة العمل بشكل جذري.
في كثير من الحالات، يتم إدخال الذكاء الاصطناعي ضمن سير عمل قائم دون إعادة تصميم الأنظمة الأساسية. وبينما قد يحسن ذلك الكفاءة، إلا أنه لا يحقق القيمة الاقتصادية أو الاستراتيجية الكاملة للذكاء الاصطناعي.
تشمل الأمثلة أنظمة الموافقة الائتمانية التقليدية، ودورات تخطيط سلاسل التوريد، وعمليات التفتيش في التصنيع التي لم تتغير رغم إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويؤكد التقرير أن الميزة التنافسية المستدامة ستأتي من إعادة تصميم سير العمل وهياكل اتخاذ القرار ونماذج التشغيل حول الذكاء الاصطناعي، وليس مجرد أتمتة العمليات القائمة.
دور القيادة في تبني الذكاء الاصطناعي
تشير إحدى أبرز نتائج التقرير إلى أن التزام القيادة يُعد أحد أهم عوامل نجاح التحول في الذكاء الاصطناعي.
في العديد من المؤسسات، تبقى مبادرات الذكاء الاصطناعي محصورة داخل أقسام التكنولوجيا بدل أن تقودها الإدارة العليا. إلا أن التقرير يشدد على أن تبني الذكاء الاصطناعي يتطلب قرارات استراتيجية تتعلق بطريقة العمل، وهيكلة القوى العاملة، وتوليد القيمة.
ويُعتبر إشراك القيادات العليا عنصرًا أساسيًا لتسريع التحول الحقيقي.
الأولويات الاستراتيجية لقادة آسيا-المحيط الهادئ
1. إعادة تصميم سير العمل حول الذكاء الاصطناعي
يُطلب من المؤسسات إعادة التفكير في طريقة عملها من الأساس، باعتبار الذكاء الاصطناعي عنصرًا أساسيًا وليس أداة إضافية.
يتطلب ذلك إعادة هندسة العمليات وهياكل اتخاذ القرار، مع قبول بعض الاضطرابات قصيرة الأجل مقابل مكاسب طويلة الأجل.
2. بناء أصول بيانات خاصة
ستعتمد المرحلة القادمة من الذكاء الاصطناعي على البيانات التشغيلية الواقعية إلى جانب النماذج الأساسية الكبيرة.
تمتلك قطاعات مثل التصنيع والتمويل والرعاية الصحية كميات ضخمة من البيانات التي يمكن استغلالها لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي.
المؤسسات التي تنجح في تنظيم هذه البيانات ستتمتع بميزة تنافسية طويلة الأمد.
3. تعزيز أطر حوكمة الذكاء الاصطناعي
مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى البنية التحتية المادية، تصبح الحوكمة أكثر تعقيدًا.
تشمل القضايا السلامة، والمسؤولية، وقابلية التشغيل البيني، والتشريعات عبر الحدود.
يدعو التقرير إلى تعاون بين الحكومات والقطاع الخاص لبناء أطر تضمن الابتكار مع الحفاظ على الأمان والثقة.
التعاون الإقليمي والأمثلة
يستعرض التقرير أمثلة إقليمية على دمج الذكاء الاصطناعي، مثل الروبوتات في رعاية المسنين في اليابان، والتصنيع المدعوم بالذكاء الاصطناعي في كوريا الجنوبية، والبنية التحتية للمدن الذكية في سنغافورة، وأنظمة اللوجستيات المتقدمة في جنوب شرق آسيا.
وتُظهر هذه الأمثلة قدرة المنطقة على صياغة معايير عالمية للذكاء الاصطناعي في البيئات المادية والصناعية.
التوقعات المستقبلية
على الرغم من المزايا الهيكلية القوية، يحذر التقرير من أن ريادة آسيا-المحيط الهادئ في الذكاء الاصطناعي ليست مضمونة.
تمتلك المنطقة نافذة زمنية محدودة لتحويل موقعها الحالي إلى هيمنة طويلة الأمد. وسيعتمد النجاح على قدرة المؤسسات على الانتقال من مجرد التبني إلى التحول الكامل في سير العمل واستراتيجيات البيانات والحوكمة.
وفي حال تحقق ذلك، يمكن لآسيا-المحيط الهادئ أن تنتقل من كونها مشاركًا رئيسيًا في ثورة الذكاء الاصطناعي إلى قوة مهيمنة تُشكّل مرحلتها القادمة.