
لبنان – في لبنان، غالبًا ما تكون المعلومات القانونية مجزأة، وصعبة الوصول، ومعقدة بالنسبة لغير المتخصصين. وبالنسبة لكثير من الأفراد، فإن التعامل مع المسائل القانونية، بدءًا من عقود العمل وصولًا إلى تأسيس الشركات، قد يكون مهمة شاقة بسبب تعقيد القوانين.
وتسعى منصة askLex، وهي منصة قانونية جديدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي أسستها المحامية ورائدة الأعمال ماي الهاشم، إلى سد هذه الفجوة من خلال جعل المعلومات القانونية أكثر سهولة وتنظيمًا وإتاحة. وبعد الانتهاء من عدة مراحل من الاختبارات التجريبية، تستعد المنصة لإطلاق تطبيقها الإلكتروني المجاني في 4 يوليو، على أن يتبعه تطبيق للهواتف الذكية في مرحلة لاحقة.
تقول المؤسسة إن فكرة askLex لم تولد داخل مختبر تقني أو حاضنة أعمال، بل انطلقت من ملاحظات يومية.
فمن خلال متابعتها لأصدقائها وزملائها أثناء اتخاذهم قرارات حياتية اعتيادية، لاحظت الهاشم نمطًا متكررًا يتمثل في اتخاذ الكثيرين قرارات ذات تبعات قانونية من دون فهم حقيقي لعواقبها.
وتوضح: «كانوا ضحايا لعدم امتلاكهم المعرفة الكافية، ليس بسبب الإهمال، بل لأن المعلومات ببساطة لم تكن في متناولهم».
وأصبحت هذه الفجوة أكثر وضوحًا بالنسبة إليها من داخل المهنة القانونية نفسها. فبصفتها محامية شابة، اختبرت بنفسها مدى صعوبة وتشتت عملية البحث القانوني في لبنان، حتى بالنسبة للمحامين.
وتضيف: «إذا كان الأمر بهذه الصعوبة بالنسبة لشخص لديه خلفية قانونية، فتخيلوا مدى استحالته بالنسبة لشخص لا يمتلكها».
وتشير الأبحاث الأكاديمية المتعلقة بإمكانية الوصول إلى العدالة في لبنان إلى أن العوائق تشمل القيود المالية، وتعقيد القوانين، وضعف الوعي القانوني لدى الجمهور، ما يجعل من الصعب على الأفراد، ولا سيما ذوي الدخل المحدود، التعامل بفعالية مع المنظومة القانونية.
وجاءت askLex استجابة لهذه الفجوة بين القانون كما هو مكتوب على الورق، والقانون كما يختبره الناس في حياتهم اليومية.
ورغم اعتماد askLex على الذكاء الاصطناعي، تؤكد الهاشم أن المشروع لم يبدأ كتجربة تقنية.
فالتحدي لم يكن مجرد إنتاج إجابات، بل إنتاج إجابات موثوقة ضمن نظام قانوني يفتقر إلى التنظيم. فالقوانين اللبنانية لم تُرقمن بشكل متسق، كما أنها قد تتضمن تناقضات، ما يجعلها غير مناسبة لأدوات الذكاء الاصطناعي العامة التي تعتمد على بيانات الإنترنت.
وهنا تختلف فلسفة تصميم askLex عن روبوتات الدردشة التقليدية، إذ تعتمد المنصة على مصادر قانونية لبنانية موثقة، مع ضوابط تمنعها من تقديم إجابات تخمينية. وترى الهاشم أن هذه القيود ليست عائقًا، بل ضرورة.
وتقول: «ذكاء اصطناعي يبدو واثقًا لكنه يختلق المعلومات أسوأ من عدم وجود إجابة أصلًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بحقوق الناس».
ومن خلال تقديم معلومات قانونية موثوقة بلغة مبسطة، وربط المستخدمين بمحامين وموثقين ومترجمين محلفين عند الحاجة، تسعى AskLex إلى تقليل العوائق أمام الوصول إلى العدالة، وتمكين الأفراد من اتخاذ قرارات قانونية أكثر وعيًا.
ولا تهدف المنصة إلى استبدال المحامين، بل إلى تضييق الفجوة بين تعقيد القانون وفهم الجمهور له، بما يمنح المستخدمين الثقة للتعامل مع المسائل القانونية اليومية، ومعرفة متى يحتاجون إلى استشارة قانونية، والوصول إلى المختص المناسب بسرعة أكبر.
وبذلك، تسعى askLex إلى تعزيز التمكين القانوني من خلال جعل القانون أكثر سهولة في الوصول، وأكثر وضوحًا وقابلية للتطبيق بالنسبة للجميع.
صُممت askLex لتكون سهلة الاستخدام. إذ يمكن للمستخدم طرح أي سؤال قانوني باللغة العربية أو الفرنسية أو الإنجليزية، وبأسلوب طبيعي من دون الحاجة إلى استخدام مصطلحات قانونية.
ويقدم النظام إجابات واضحة ومبسطة تستند إلى مصادر قانونية لبنانية موثقة.
لكن دور المنصة لا يتوقف عند توفير المعلومات. فعندما تستدعي الحالة اتخاذ إجراءات، مثل إعداد المستندات، أو التصديق، أو الترجمة، أو التمثيل القانوني، يتم توجيه المستخدم إلى شبكة من المتخصصين المعتمدين.
وبذلك تقدم askLex خدمة متكاملة، تبدأ بفهم المشكلة القانونية، وتمتد إلى معالجتها، ثم ربط المستخدم بالخبير المناسب عند الحاجة.
مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى مجالات حساسة مثل القانون، ترى الهاشم أن أهم تمييز يجب الحفاظ عليه هو الفرق بين تقديم المعلوماتوالتمثيل القانوني.
وتقول: «يمكن للأداة أن تزودك بالمعلومات وتوجهك، لكن بمجرد أن تبدأ بتمثيلك أو ممارسة المحاماة، فإننا ندخل منطقة خطرة».
ولهذا، تتموضع askLex بوضوح في جانب تقديم المعلومات، فهي لا تمثل العملاء أمام المحاكم، ولا تحل محل المستشار القانوني، وإنما تساعد المستخدم على فهم وضعه القانوني ثم توجهه إلى المختص المناسب عند الحاجة.
ويشكل هذا الفصل أحد الركائز الأساسية للإطار الأخلاقي الذي تقوم عليه المنصة.
وتؤكد الهاشم أيضًا أهمية حماية الخصوصية، إذ غالبًا ما تتعلق الاستفسارات القانونية بظروف شخصية حساسة، مثل الضغوط المالية، والنزاعات الوظيفية، والقضايا الأسرية.
وتضيف: «هناك مسؤولية تحكم كل ما نبنيه. وحتى اليوم، لا يوجد جواب واضح عن سؤال: من يتحمل المسؤولية عندما يكون الذكاء الاصطناعي طرفًا في العملية؟».
رغم قدرات askLex، فإن المنصة لا تهدف إلى استبدال المحامين. فالنزاعات المعقدة، والتقاضي، والتمثيل أمام المحاكم، ووضع الاستراتيجيات القانونية في القضايا الحساسة، تبقى جميعها ضمن نطاق الخبرة البشرية. وينطبق الأمر ذاته على خدمات الكاتب بالعدل والترجمة المحلفة، التي تُقدم عبر شبكة المنصة من المختصين، وليس من خلال الأتمتة.
وتقول الهاشم: «المنصة موجودة لمساعدتك على فهم وضعك والوصول إلى الشخص المناسب بشكل أسرع، وليس لتحل مكانه».
من أبرز المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي القانوني أن يعتمد المستخدمون عليه باعتباره مرجعًا قانونيًا نهائيًا.
وتقر الهاشم بوجود هذا الخطر، لكنها ترى أنه يرتبط أساسًا بتصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي بطريقة مسؤولة.
فبحسب رأيها، غالبًا ما تقدم الأدوات العامة إجابات تبدو واثقة لكنها غير مستندة إلى أسس قانونية، بينما تسعى الأنظمة المتخصصة مثل AskLex إلى الحد من هذه المخاطر عبر حصر نطاق عملها والاستناد إلى قوانين موثقة.
وتقول: «الأداة التي تدّعي أنها محاميك خطيرة. أما الأداة التي تساعدك على فهم حقوقك والوصول إلى محامٍ حقيقي، فهي تحقق العكس تمامًا».
ظهرت منصات مشابهة أيضًا في عدد من الدول العربية. ففي السعودية تساعد Waddah AI المستخدمين على البحث في القوانين وتحليل العقود وإعداد المستندات القانونية، بينما تقدم منصة Adala.ai في المغرب إرشادًا قانونيًا يعتمد على القوانين المغربية. أما في الأردن، فتساعد منصة Adel by Aqdee الأفراد والشركات على فهم القوانين والأنظمة والإجراءات القانونية. وتعكس هذه المبادرات توجهًا إقليميًا متناميًا نحو توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز التمكين القانوني.
ورغم أن askLex انطلقت من لبنان، فإن طموحها يتجاوز حدوده.
فالهدف على المدى الطويل هو أن تصبح بوابة للوصول إلى الخدمات القانونية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما يعالج ليس فقط فجوة لبنانية، بل تحديًا هيكليًا على مستوى المنطقة.
وتقول الهاشم: «بعد خمس سنوات، أريد أن تكون askLex نقطة الدخول القانونية إلى المنطقة».
وبشكل أوسع، ترى أن المشروع يمثل جزءًا من تحول في علاقة الناس بالقانون، بحيث لا يعود شيئًا بعيدًا أو مهيبًا، بل يصبح مفهومًا وقابلًا للتطبيق.
وفي جوهرها، تقوم askLex على مبدأ بسيط ينعكس في كل مراحل تصميمها:
«لا ينبغي أن يكون الوصول إلى العدالة امتيازًا».