
بيروت - تقترب البلديات اللبنانية من نقطة الانهيار، إذ يفرض النزوح الناجم عن النزاع، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، والعجز المالي المزمن ضغوطًا هائلة على الحكومات المحلية، وفقًا لتقييم جديد أصدره برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat) في لبنان.
ويخلص التقييم البلدي السريع، الذي نُشر هذا الشهر، إلى أن البلديات في مختلف أنحاء البلاد تكافح للحفاظ على الخدمات الأساسية عقب تصاعد الأعمال العدائية في آذار/مارس 2026، محذرًا من أن العديد من السلطات المحلية تعمل بحد أدنى من الدعم الخارجي أو من دونه.
نزوح واسع يفاقم الضغوط على المجتمعات المحلية
على الرغم من دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في منتصف نيسان/أبريل 2026، لا يزال الوضع الإنساني هشًا. ولا يزال العديد من السكان غير قادرين على العودة إلى منازلهم بسبب إنشاء مناطق عازلة جديدة والدمار الواسع في المناطق الحدودية.
ووفقًا للتقرير، شهدت 76% من البلديات المشمولة بالمسح زيادة ملحوظة في عدد السكان عقب تصاعد الأعمال العدائية. وحتى 12 أيار/مايو 2026، كانت هذه البلديات تستضيف مجتمعةً أكثر من 465 ألف نازح داخليًا، أي ما يعادل 35% من عدد سكانها قبل الأزمة.
كما تجاوزت قدرة مراكز الإيواء حدودها القصوى، إذ أصبحت المدارس الرسمية المأوى الرئيسي للطوارئ، مع استخدام 82% من البلديات لها كمراكز إيواء جماعية. وفي المقابل، أفادت 16% من البلديات بأن نازحين يقيمون في أماكن عامة مفتوحة، مثل الحدائق والساحات والشوارع، بسبب غياب مساكن مناسبة.
الخدمات البلدية تحت ضغط شديد
يشير التقرير إلى أن البلديات اللبنانية دخلت الأزمة الأخيرة وهي تعاني أصلًا من سنوات من التدهور الاقتصادي والتحديات المؤسسية، فيما أدى التدفق الأخير للعائلات النازحة إلى زيادة الضغط على الإدارات المحلية.
وبشكل عام، أفادت 89% من البلديات المشمولة بالمسح بحدوث اضطرابات في عملها. ومن بينها، وصفت 34% هذه الاضطرابات بأنها شديدة، بينما قالت 18% إنها بالكاد لا تزال قادرة على أداء مهامها.
وأرجع المسؤولون البلديون الأزمة إلى عدة عوامل، أبرزها ارتفاع الطلب على الخدمات العامة، واستنزاف الموازنات البلدية، ونقص المعدات والآليات والوقود اللازم لتسيير الأعمال اليومية.
البنية التحتية الأساسية تواجه ضغوطًا متزايدة
وجد برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية أن 95% من البلديات أفادت بتعرض البنية التحتية والخدمات العامة لضغوط غير مستدامة.
وكانت القطاعات الأكثر تضررًا على النحو الآتي:
إدارة النفايات الصلبة: 76% أفادت بضغوط شديدة.
شبكات الصرف الصحي: 66%.
إمدادات المياه: 63%.
الطاقة وإنارة الشوارع: 34%.
وبرزت إدارة النفايات الصلبة باعتبارها من أكثر التحديات إلحاحًا، إذ أفادت جميع البلديات بزيادة في تراكم النفايات، فيما وصفت 76% منها هذه الزيادة بأنها كبيرة. وأشارت السلطات المحلية إلى أن نقص شاحنات جمع النفايات والوقود والمعدات يشكل عائقًا رئيسيًا أمام الحفاظ على خدمات النظافة.
كما أظهر التقرير أن 24% من البلديات تعرضت أصولها وبنيتها التحتية لأضرار مباشرة نتيجة الغارات الجوية، بما في ذلك شبكات المياه، والبنية التحتية للكهرباء، والمباني غير السكنية. ويعود نحو ثلثي هذه الأصول المتضررة إلى البلديات أو تقع تحت إدارتها، ما يزيد الأعباء المالية على الحكومات المحلية.
دعم مالي وتشغيلي محدود
من أبرز ما خلص إليه التقرير محدودية المساعدات التي تصل إلى البلديات.
وبحسب برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، أفادت 79% من البلديات المشمولة بالمسح بأنها لم تتلقَّ أي دعم مالي أو تشغيلي منذ بدء تصاعد الأعمال العدائية.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت النفقات البلدية بشكل كبير نتيجة أعمال جمع النفايات الطارئة، وضخ المياه، والعمل الإضافي للموظفين. وعندما توفّر الدعم، أفادت البلديات بأنه جاء في معظمه من متطوعين أفراد، وليس من خلال استجابة منسقة من الحكومة أو الجهات الدولية.
ورغم أن التوترات الاجتماعية لا تزال محدودة نسبيًا، لاحظت 24% من البلديات ارتفاعًا طفيفًا في الاحتكاكات داخل المجتمعات المحلية. وحذرت السلطات المحلية من أن استمرار النزوح، والاكتظاظ، والتنافس على الموارد العامة، وعدم تكافؤ الحصول على المساعدات، قد يؤدي إلى تصاعد التوترات إذا استمرت الأزمة.
برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية يدعو إلى دعم مباشر للبلديات
يدعو التقرير الجهات المانحة الدولية والمنظمات الإنسانية إلى تقديم دعم مباشر أكبر للبلديات، معتبرًا أن الحكومات المحلية تقف في الخطوط الأمامية للاستجابة الإنسانية.
ومن بين توصياته: توفير تمويل طارئ لإعادة خدمات جمع النفايات وضخ المياه، والاستثمار في أنظمة الطاقة الشمسية للبنية التحتية الحيوية، وإطلاق برامج لدعم بدلات الإيجار للحد من الاكتظاظ في المدارس المستخدمة كمراكز إيواء، إلى جانب نشر مهندسين ومتخصصين في التخطيط الحضري لدعم جهود إعادة الإعمار والتعافي على المدى الطويل.
ويخلص برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية إلى أن تعزيز قدرات البلديات سيكون عنصرًا أساسيًا للحفاظ على الخدمات العامة الأساسية ودعم المجتمعات المحلية مع انتقال لبنان من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى مرحلة التعافي.