
لبنان – في حزيران 2026، أطلق لبنان استراتيجية لإعادة هيكلة قطاع التأمين، بهدف تحديث الصناعة وتعزيز الثقة بها بعد سنوات من التحديات التي كشفت نقاط ضعف هيكلية في القطاع.
وقدّم وزير الاقتصاد والتجارة عامر بساط الخطة خلال فعالية في المعهد العالي لعلوم التأمين (ISSA) في جامعة القديس يوسف، حيث تهدف إلى معالجة الاختلالات التي ظهرت بشكل واضح نتيجة الانهيار المالي في لبنان.
وترتكز الاستراتيجية على ثلاثة محاور رئيسية: إعادة هيكلة السوق، تعزيز الرقابة، وإدارة تكاليف الرعاية الصحية. ولا تهدف الخطة فقط إلى تحقيق الاستقرار في القطاع، بل إلى إعادة تشكيله بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة المقبلة.
في صلب عملية الإصلاح يكمن تحدٍ أساسي: الثقة.
وقال رئيس لجنة مراقبة هيئات الضمان (ICC) نديم حداد لـ"إنماء": "الثقة هي أساس قطاع التأمين. يشتري الناس وثيقة تأمين لأنهم يثقون بأن الشركة ستفي بالتزاماتها عند وقوع حدث غير متوقع. وعندما تبدأ هذه الثقة بالضعف، يتعرض السوق بأكمله للضغط".
وبحسب حداد، أدت الأزمة المالية في لبنان إلى فقدان الثقة التي كانت تتراجع تدريجياً منذ سنوات، كما كشفت عن نقاط ضعف في آليات تنظيم القطاع ومراقبته.
وأوضح أن "الأطر التنظيمية وأدوات الرقابة تشير إلى القوانين والأنظمة وأنظمة الإشراف التي تضمن عمل شركات التأمين بمسؤولية، والحفاظ على استقرارها المالي، وحماية حقوق العملاء".
وأضاف: "تطور السوق بشكل كبير خلال العقود الماضية، بينما لم تتطور بعض أجزاء الإطار التنظيمي وأدوات الرقابة بالسرعة نفسها. وأصبح هذا الفارق أكثر صعوبة في تجاهله مع مرور الوقت".
المعايير الدولية للقطاع
عالمياً، يعمل قطاع التأمين ضمن معايير دولية معترف بها تهدف إلى تعزيز التنظيم، وتحسين الشفافية، وحماية حاملي وثائق التأمين.
ومن أبرز هذه المراجع مبادئ التأمين الأساسية (Insurance Core Principles - ICPs) التي وضعتها الجمعية الدولية لهيئات الإشراف على التأمين (IAIS)، والتي توفر إطاراً لتنظيم مجالات مثل الرقابة، والحوكمة، وإدارة المخاطر، والملاءة المالية، وحماية المستهلك.
وتهدف هذه المعايير إلى ضمان قدرة شركات التأمين على إدارة المخاطر بفعالية، والوفاء بالتزاماتها المالية، والحفاظ على ثقة الجمهور بالقطاع. وبالنسبة للبنان، فإن مواءمة الممارسات التنظيمية مع هذه الأطر الدولية يمكن أن تساعد في تحديث آليات الرقابة ودعم التعافي طويل الأمد للقطاع.
إعادة تشكيل سوق مجزأ
يركز المحور الأول من الإصلاح على إعادة هيكلة السوق نفسه.
ولا تقتصر إعادة هيكلة السوق على تغيير عدد الشركات العاملة فيه، بل تشمل أيضاً تعديل القواعد التي تحكم طريقة عملها. وتعد متطلبات رأس المال الأقوى إحدى الأدوات التنظيمية الأساسية المستخدمة لإعادة تنظيم قطاع التأمين.
وتخطط الوزارة لإدخال متطلبات رأسمالية أكثر صرامة وقواعد رأس مال قائمة على المخاطر، بما يضمن امتلاك شركات التأمين موارد مالية تتناسب بشكل أدق مع مستوى المخاطر التي تواجهها.
وتفرض قواعد رأس المال القائم على المخاطر (Risk-Based Capital - RBC) على شركات التأمين الاحتفاظ بمستويات رأس مال تحدد وفقاً للمخاطر الفعلية التي تتحملها، بما يشمل مخاطر الاستثمار، والاكتتاب، والعمليات التشغيلية.
وعلى عكس متطلبات رأس المال الثابتة، يضمن هذا النهج امتلاك الشركات التي تمارس أنشطة أكثر خطورة هوامش مالية أقوى لحماية حاملي الوثائق والحفاظ على استقرار السوق.
وتم تعيين شركة استشارية خارجية لدعم تنفيذ الإصلاحات، على أن تستمر العملية حتى منتصف عام 2027.
وأكد حداد أن تعزيز متطلبات رأس المال لا ينبغي اعتباره عبئاً إضافياً على شركات التأمين، بل وسيلة لحماية حقوق المؤمن لهم.
وقال: "الهدف من تعزيز متطلبات رأس المال ليس جعل ممارسة الأعمال أكثر صعوبة، بل جعل الوعود التي تقدمها الشركات أكثر مصداقية".
كما تشمل الإصلاحات شركات وساطة التأمين، من خلال تعزيز الضمانات المالية، ووضع قواعد أوضح للعمولات، وإقرار مدونة سلوك مهنية جديدة، وتشديد حماية أموال العملاء.
وكان قرار صدر في كانون الثاني 2026 قد أعاد العمل بالضمان المالي المطلوب للوسطاء بقيمة 20 ألف دولار، مع خطة لرفعه تدريجياً إلى 50 ألف دولار خلال ثلاث سنوات. وينطبق الشرط فوراً على الوسطاء الجدد، بينما مُنح الوسطاء الحاليون مهلة ستة أشهر للالتزام بالمستوى الأولي.
نحو نهج استباقي في الرقابة
إلى جانب إعادة هيكلة السوق، تمثل أجندة الإصلاح تحولاً أساسياً في طريقة تنظيم قطاع التأمين.
وقال حداد: "أهم درس من الأزمة هو أن الرقابة على التأمين لم تعد قادرة على الاعتماد فقط على التحقق من الالتزام بعد وقوع الأحداث. التنظيم الحديث يتطلب من الجهات الرقابية تحديد نقاط الضعف مبكراً، وفهم كيفية تطور المخاطر، والتدخل قبل أن تهدد هذه المخاطر حقوق حاملي الوثائق".
وبموجب الإصلاحات، ستصبح الرقابة أكثر استمرارية وتحليلية، مع تركيز أكبر على معايير الحوكمة، والضوابط الداخلية، وممارسات إدارة المخاطر، والقدرة على الصمود المالي.
وأضاف حداد: "إذا تم تنفيذ هذه الإصلاحات بنجاح، فسيرى السوق نوعاً مختلفاً من الجهات الرقابية؛ ليس بالضرورة جهة تتدخل بشكل أكبر، بل جهة تتدخل في وقت أبكر، وتعتمد على أدلة أفضل، وتساهم في خلق بيئة تأمينية أكثر استقراراً وقابلية للتوقع".
تحدي الرعاية الصحية
يركز المحور الثالث من الاستراتيجية على أحد أبرز التحديات التي تواجه القطاع: ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية.
وبالتعاون مع وزارة الصحة العامة، تخطط وزارة الاقتصاد والتجارة للعمل على إصلاحات تتعلق بشفافية التسعير، والرقابة السريرية، وتعزيز التنسيق التنظيمي داخل النظام الصحي.
وبات التضخم في تكاليف الرعاية الصحية مصدر ضغط كبير على شركات التأمين وحاملي الوثائق، إذ يؤدي إلى ارتفاع الأقساط ويثير مخاوف حول استدامة التغطية الصحية على المدى الطويل.
وشكل التأمين الصحي نحو 50.4% من إجمالي أقساط التأمين في عام 2025، فيما مثلت الحالات الصحية قرابة 80% من عدد المطالبات المقدمة خلال العام نفسه.
ويعني ذلك أن أي تغير في أسعار المستشفيات، وتكاليف الأدوية، والزرعات الطبية، وأتعاب الأطباء، وآليات إدارة المطالبات، يمكن أن يؤثر على الاستقرار المالي للقطاع بأكمله، إضافة إلى قدرة الأسر على تحمل تكاليف التغطية.
لكن حداد حذر من أن الجهات الرقابية على التأمين لا تستطيع معالجة هذه المشكلة بمفردها.
وقال: "تكاليف الرعاية الصحية هي من أبرز التحديات التي تواجه ليس فقط لبنان، بل أسواق التأمين حول العالم. ولا يمكن لأي جهة رقابية على التأمين أن تتحكم بالتضخم الصحي بمفردها".
وأشار إلى أن الحلول المستدامة تتطلب تعاوناً بين شركات التأمين، ومقدمي الخدمات الصحية، والجهات الرقابية، والسلطات العامة.
ويتمثل دور لجنة مراقبة هيئات الضمان في ضمان تسعير منتجات التأمين بشكل مسؤول، والحفاظ على الاحتياطات المالية الكافية، وإدارة المطالبات بعدالة، إلى جانب دعم الجهود الأوسع لتحسين كفاءة النظام الصحي.
إعادة بناء الثقة
في نهاية المطاف، سيُقاس نجاح برنامج الإصلاح بقدرته على استعادة الثقة في قطاع تأثرت مصداقيته بشكل كبير نتيجة سنوات من الاضطرابات الاقتصادية.
ويرى حداد أن المؤشر الأوضح للنجاح لن يكون في التقارير التنظيمية أو وثائق السياسات.
وقال: "ستكون العلامة الأولى عندما لا يعود حاملو الوثائق يتساءلون ما إذا كانت مطالباتهم ستُدفع. فعندما يشتري الناس وثيقة تأمين لأنهم يثقون فعلاً بالنظام، وليس لأنها مطلوبة من مصرف أو صاحب عمل أو بموجب القانون، سيكون ذلك أقوى دليل على عودة الثقة".
وتحمل استراتيجية الوزارة طموحات واسعة تشمل كفاية رأس المال، والحوكمة، وتمويل الرعاية الصحية، وحماية المستهلك.
إلا أن نجاحها لن يعتمد فقط على إصدار قوانين وأنظمة جديدة، بل أيضاً على قدرة المؤسسات على تطبيقها بشكل ثابت وموثوق.
بعد سنوات من الأزمات، يحصل قطاع التأمين اللبناني على فرصة لإعادة الانطلاق. ويبقى التحدي الأساسي هو تحويل الإصلاح من خطة مكتوبة إلى واقع فعلي.