
قدّم لبنان تجربته في حماية التراث الثقافي في ظل النزاعات والكوارث خلال جلسة رفيعة المستوى ضمن الدورة الـ48 للجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو.
وعُقدت الجلسة في 21 تموز في مدينة بوسان الكورية الجنوبية تحت عنوان “لبنان: حماية التراث الثقافي في أوقات النزاعات والكوارث – ركيزة للسلام”، بتنظيم من وزارة الثقافة اللبنانية والمديرية العامة للآثار.
وجمعت الجلسة مسؤولين من اليونسكو، ومنظمات دولية معنية بالتراث، ومسؤولين ثقافيين لبنانيين، لمناقشة الدروس المستفادة من عقود من النزاعات والتحديات التي تواجه حماية التراث خلال الأزمات.
خلال افتتاح الجلسة، شدّد خبير التراث العالمي اللبناني جاد تابت على أن التراث الثقافي هو من أوائل ضحايا النزاعات المسلحة، لكنه في الوقت نفسه يشكّل أداة قوية لتعزيز الصمود وبناء السلام.
وأشار تابت إلى أن لبنان يمتلك واحدة من أعلى كثافات التراث الثقافي في العالم، إلا أن مواقعه وتقاليده واجهت تهديدات متكررة لأكثر من نصف قرن نتيجة النزاعات المتتالية.
وأوضح أن لبنان راكم خبرة واسعة في إدارة تداعيات النزاعات على التراث، من خلال جهود مستمرة تشمل التوثيق، والاستجابة الطارئة، وحماية المواقع، وصون الممتلكات الثقافية.
وأكد أن تجربة لبنان تقدّم دروساً مهمة للدول التي تواجه تحديات مماثلة، مشدداً على أن التعاون الدولي يبقى أساسياً لحماية التراث وإعادة بناء المجتمعات.
سلّط مساعد المدير العام لليونسكو للثقافة نايف الفايز الضوء على “الكنوز الثقافية الاستثنائية” التي يمتلكها لبنان، مشيراً إلى أنها لا تزال غير معروفة بما يكفي على المستوى الدولي رغم أهميتها الكبيرة في الأوساط الأثرية.
وقال الفايز إن “حماية تراث لبنان تعني الحفاظ على روح وهوية مجتمعاته”، واصفاً التجربة اللبنانية بأنها قصة خسارة، لكنها في الوقت نفسه مصدر للدروس والخبرات.
وأكد أن دعم الدول في مجالات التعافي من الأزمات، والتخطيط للترميم، وبناء القدرات يشكّل جزءاً أساسياً من مهمة اليونسكو، خصوصاً في ظل استمرار النزاعات والكوارث التي تهدد المواقع الثقافية حول العالم.
قال مدير مركز التراث العالمي في اليونسكو لازار إيلوندو أسومو إن اتفاقية التراث العالمي لا تقتصر على إدراج المواقع على القائمة العالمية، بل تشكل إطاراً دولياً لحماية التراث قبل الأزمات وخلالها وبعدها.
وأوضح أن الاتفاقية توفر آليات للحوار، والتضامن الدولي، والحفاظ على المواقع، والمراقبة، والاستجابة للأزمات، بما يسمح للدول بالتعاون لحماية التراث الذي يمثل قيمة مشتركة للإنسانية جمعاء.
وشدد أسومو على أن حماية التراث يجب ألا تقتصر على منع تدميره، بل يجب أن تشمل أيضاً دعم التعافي بعد تعرض المجتمعات للصدمات.
وفي حديثه عن الأدوات القانونية الدولية، أشاد أسومو بالتزام لبنان باتفاقيات حماية التراث الثقافي، ولا سيما اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حال النزاع المسلح وبروتوكولها الثاني.
وأشار إلى أن مشاركة لبنان في لجنة البروتوكول الثاني تعكس مساهمته في المجتمع الدولي المعني بحماية التراث.
كما شدد على أهمية الاستعداد المسبق قبل اندلاع النزاعات، لافتاً إلى أن العديد من الدول لا تدرك أهمية التخطيط للطوارئ إلا بعد تعرضها للدمار.
وأشار المشاركون إلى أن التقنيات الرقمية، بما فيها المراقبة عبر الأقمار الاصطناعية، وتقييم الأضرار، والتوثيق الرقمي، أصبحت أدوات أساسية لحماية التراث خلال الأزمات.
حدّد المدير التنفيذي للتحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع ALIPH فاليري فريلاند، عنصرَي السرعة والتضامن كأبرز أولويتين في الاستجابة لحالات الطوارئ التي تطال التراث.
وقال إن التحالف طوّر آليات تمويل سريعة وشبكات دولية لدعم جهود حماية التراث في مناطق الأزمات، بما في ذلك غزة وأوكرانيا ولبنان.
وشدد فريلاند على ضرورة أن تبقى الاستجابة الإنسانية في مجال التراث محايدة، وأن يتم فصل جهود الحماية عن الاعتبارات السياسية لضمان وصول المساعدة إلى المجتمعات المتضررة.
وأضاف أن تجربة لبنان الأخيرة أظهرت أهمية التعاون بين المديرية العامة للآثار، والجيش اللبناني، ومنظمات المجتمع المدني في مواجهة الأزمات.
عرض المدير العام للآثار سركيس الخوري تأثير الهجمات الأخيرة على التراث الثقافي اللبناني، مشيراً إلى أن الأضرار لم تقتصر على المعالم الأثرية، بل طالت أيضاً المجتمعات المحلية والمناظر الطبيعية والممارسات التقليدية.
وقال إن أكثر من 65 قرية تاريخية تعرضت للدمار، فيما تأثر موقعان مدرجان على قائمة التراث العالمي. كما لحقت أضرار بالمقابر التاريخية، ومناطق التراث الزراعي، وبساتين الزيتون وغابات الصنوبر.
وأوضح الخوري أن تداعيات الأضرار تجاوزت التدمير المادي، إذ هدد النزوح التراث غير المادي من خلال إضعاف ارتباط المجتمعات بأماكنها وتقاليدها.
وأكد أن لبنان يعمل بشكل وثيق مع اليونسكو وشركائه الدوليين، ومن بينهم ALIPH، لتعزيز إجراءات الحماية ودعم جهود التعافي.
من جهته، تحدّث المدير الإقليمي للجنوب في المديرية العامة للآثار علي بدوي عن نهج لبنان في إدارة التراث، والذي يقوم على الاستعداد قبل النزاعات، والاستجابة أثناء الأزمات، والعمل على التعافي بعدها.
وشدد بدوي على أهمية التوثيق الشامل، محذراً من أن بعض القرى لم تكن تمتلك سجلات كافية قبل تعرضها للدمار، ما أدى إلى فقدان معلومات تاريخية قيّمة.
كما أبرز دور المجتمعات المحلية في حماية التراث، خصوصاً في ظل محدودية الموارد. وأوضح أن السكان ساهموا بين عامي 2024 و2025 في جهود ترميم بعض المواقع، كما ساعدوا في توثيق الأضرار عبر إرسال صور للمنازل والمواقع التراثية المتضررة إلى المديرية العامة للآثار.
اختتمت الجلسة برسالة مشتركة بين المشاركين مفادها أن حماية التراث الثقافي لا تقتصر على الحفاظ على المواقع التاريخية، بل تشمل أيضاً حماية الهوية، وتعزيز المجتمعات، ودعم التعافي بعد النزاعات.
وقدّمت تجربة لبنان كنموذج يوضح كيف يمكن لحماية التراث أن تساهم في تعزيز الصمود وبناء سلام مستدام في المجتمعات المتأثرة بالأزمات.