
لبنان – في ظل الأزمات الاقتصادية المتتالية والضغوط التي يواجهها سوق العمل اللبناني، أصبح الوصول إلى وظيفة أو العودة إلى سوق العمل تحديًا يتجاوز مجرد إيجاد شاغر وظيفي. فبالنسبة إلى الفئات الأكثر هشاشة، قد يتطلب الدخول إلى سوق العمل أو العودة إليه الحصول على مهارات مناسبة، والتدريب المهني، وخدمات النقل والرعاية، والتمويل، إلى جانب سوق عمل قادر على توفير فرص حقيقية ومستدامة.
من هنا تأتي الاستراتيجية الوطنية الجديدة للإدماج الاقتصادي، التي تسعى إلى الانتقال من نموذج يركّز بصورة أساسية على المساعدات إلى مقاربة تربط الحماية الاجتماعية بالمشاركة الاقتصادية وتعزيز الاستقلالية. وأُطلقت الاستراتيجية من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية، بدعم تقني من منظمة العمل الدولية وتمويل من الاتحاد الأوروبي، وتهدف إلى تعزيز الروابط بين الحماية الاجتماعية وتنمية المهارات والتوظيف وريادة الأعمال.
من الحماية الاجتماعية إلى التمكين الاقتصادي
بالنسبة إلى وزير العمل محمد حيدر، فإن الانتقال نحو مزيد من الاستقلال الاقتصادي يتطلب تحولًا تدريجيًا من نموذج يركّز على تقديم المساعدات إلى نموذج يقوم على التمكين الاقتصادي.
وفي حديث خاص لانمائية، أوضح حيدر أن الحماية الاجتماعية يجب أن تكون نقطة انطلاق نحو الاندماج في سوق العمل، لا بديلًا دائمًا عنه. ويتطلب ذلك تعزيز سياسات سوق العمل النشطة، وتطوير خدمات التوظيف العامة، وتوسيع خدمات الإرشاد والتوجيه المهني، وتحسين آليات الربط بين الباحثين عن عمل وأصحاب العمل.
كما تشمل المقاربة ربط برامج الحماية الاجتماعية بالتدريب والتأهيل والتوظيف، بما يتيح للمستفيدين من برامج الدعم اكتساب المهارات المطلوبة وزيادة فرصهم في الحصول على وظائف لائقة. وتشمل كذلك تطوير برامج التدريب المهني وإعادة التأهيل بالتعاون مع القطاع الخاص، وتشجيع ريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة من خلال تسهيل الوصول إلى خدمات تطوير الأعمال وفرص التمويل المتاحة.
وبذلك، تطرح الاستراتيجية مسارات متعددة للمشاركة الاقتصادية، سواء عبر الحصول على وظيفة، أو العمل لحساب الفرد، أو إطلاق مشروع خاص.
حين يقود التدريب إلى فرصة عمل
يبقى التحدي الأساسي أمام أي استراتيجية للتوظيف هو ضمان أن يؤدي التدريب فعلًا إلى فرصة عمل. فالحصول على شهادة تدريبية لا يعني بالضرورة دخول سوق العمل إذا كانت المهارات المكتسبة لا تتوافق مع احتياجات أصحاب العمل.
وفي هذا الإطار، قال حيدر إن وزارة العمل تعمل على تعزيز أنظمة معلومات سوق العمل لرصد المهن والمهارات المطلوبة، وإشراك القطاع الخاص في تحديد الاحتياجات المهارية وتصميم البرامج التدريبية، بما يضمن توافقها مع متطلبات القطاعات الاقتصادية المختلفة.
كما تسعى الوزارة إلى توسيع برامج التدريب العملي والتدريب أثناء العمل، بما يمنح المستفيدين خبرة فعلية ويعزز فرص انتقالهم إلى وظائف دائمة. ومن المتوقع أن تركز برامج التدريب على القطاعات التي تتمتع بإمكانات للنمو وخلق فرص العمل، ومنها الاقتصاد الرقمي، والزراعة الحديثة، والصناعات الغذائية، والطاقة المتجددة، والخدمات.
ويشمل ذلك تعزيز التنسيق بين وزارة العمل والمؤسسات التعليمية ومؤسسات التعليم والتدريب المهني والتقني، بهدف تحديث المناهج بما يتماشى مع التطورات التكنولوجية واحتياجات أصحاب العمل.
والهدف، بحسب هذه المقاربة، هو ألا ينتهي التدريب عند الحصول على شهادة، بل أن يتحول إلى فرصة حقيقية لدخول سوق العمل.
إعادة دمج من فقدوا وظائفهم
تأتي هذه الجهود في وقت يواجه فيه سوق العمل اللبناني ضغوطًا كبيرة. ووفق مسح لمنظمة العمل الدولية، أُشير خلال إطلاق الاستراتيجية إلى أن نحو ثلث العاملين في القطاع الخاص فقدوا وظائفهم منذ آذار، مع تأثر النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة بشكل أكبر.
وفي هذا السياق، تعمل وزارة العمل على دعم إعادة دمج الأشخاص الذين فقدوا وظائفهم من خلال تعزيز خدمات التوظيف العامة، وتطوير آليات التسجيل، وتحسين خدمات الإرشاد والوساطة بين الباحثين عن عمل وأصحاب العمل.
كما تشمل الجهود تنفيذ برامج لإعادة التأهيل ورفع المهارات للعاملين الذين فقدوا وظائفهم، مع التركيز على القطاعات القادرة على النمو، إلى جانب التعاون مع القطاع الخاص في برامج التدريب أثناء العمل وحوافز التوظيف.
وتنظر الوزارة أيضًا إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال باعتبارها من المصادر المهمة لخلق فرص العمل في المرحلة الحالية، مع تسهيل الوصول إلى خدمات تطوير الأعمال وبرامج الدعم المتاحة.
وفي الوقت نفسه، تسعى الوزارة إلى تعزيز أنظمة معلومات سوق العمل لتوجيه برامج التدريب والتشغيل نحو المهن والمهارات التي يحتاجها أصحاب العمل فعليًا.
فرص عمل لائقة ومستدامة
لكن نجاح الإدماج الاقتصادي لا يُقاس فقط بعدد الوظائف التي يتم استحداثها. وبحسب حيدر، فإن جودة الوظائف واستدامتها لا تقلان أهمية عن عددها، ولذلك تسعى وزارة العمل إلى توجيه تدخلاتها نحو فرص عمل منتجة ولائقة، بما ينسجم مع معايير العمل الوطنية والدولية وأهداف التنمية المستدامة.
وتشمل الإجراءات تعزيز الالتزام بمعايير العمل، وحماية حقوق العمال، وتحسين شروط السلامة والصحة المهنية، والحد من أشكال العمل غير اللائق.
كما تركز الوزارة على دعم الانتقال من الاقتصاد غير المنظم إلى الاقتصاد المنظم، بما يتيح للعاملين الاستفادة من الحماية القانونية والاجتماعية ويعزز استقرار علاقات العمل.
وبالتالي، لا يقتصر السؤال على ما إذا كان الشخص قد حصل على وظيفة، بل على ما إذا كانت هذه الوظيفة توفر الاستقرار والحماية وفرصة حقيقية لبناء مصدر دخل مستدام.
القطاع الخاص شريك في التنفيذ
تضع الاستراتيجية القطاع الخاص في صلب جهود الإدماج الاقتصادي، باعتباره شريكًا أساسيًا في توسيع فرص العمل.
وقال حيدر إن الوزارة تتوقع من الشركات والمؤسسات المساهمة في توفير فرص توظيف تقوم على الكفاءة وتكافؤ الفرص، بما يعزز وصول الشباب والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الأكثر هشاشة إلى سوق العمل.
كما يُنتظر من القطاع الخاص المشاركة في تصميم وتنفيذ برامج التدريب والتأهيل، لضمان توافق المهارات المكتسبة مع الاحتياجات الفعلية للمؤسسات، إلى جانب توفير فرص التدريب العملي والتدريب أثناء العمل.
ومن شأن هذه الخطوات أن تساعد الشباب والخريجين الجدد على الانتقال من التعليم إلى سوق العمل، وأن تقلل من فجوة الخبرة التي غالبًا ما تشكل عائقًا أمام الحصول على الوظيفة الأولى.
ويقوم هذا النموذج في جوهره على شراكة بين الحكومة وأصحاب العمل والعمال والمجتمع المدني والشركاء الدوليين.
النساء والشباب والأشخاص ذوو الإعاقة
لن يكون الإدماج الاقتصادي فعّالًا ما لم يصل إلى الفئات الأكثر عرضة للإقصاء من سوق العمل. ولهذا، تشكل النساء والشباب والأشخاص ذوو الإعاقة محورًا أساسيًا في الاستراتيجية، في ظل العوائق الأكبر التي تواجهها هذه الفئات في الوصول إلى فرص العمل.
وأوضح حيدر أن الوزارة تعمل على تصميم سياسات سوق عمل تراعي احتياجات الفئات الأكثر عرضة للإقصاء، مع متابعة نتائج هذه السياسات من خلال مؤشرات واضحة، تشمل معدلات مشاركة النساء في سوق العمل، وتوظيف الشباب، واندماج الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل.
ويهدف هذا النهج إلى جعل الإدماج الاقتصادي عملية قابلة للقياس والتقييم، وليس مجرد هدف معلن.
كيف سيُقاس النجاح بحلول 2030؟
ستُقاس نتائج الاستراتيجية بحلول عام 2030 من خلال تأثيرها الفعلي على سوق العمل وحياة الفئات المستهدفة، وليس فقط من خلال عدد البرامج المنفذة أو الأشخاص الذين تلقوا التدريب.
وتشمل مؤشرات المتابعة زيادة معدلات المشاركة في سوق العمل، ولا سيما بين النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة، وتحسين معدلات التوظيف وخفض البطالة، مع التركيز على البطالة طويلة الأمد وبطالة الشباب.
كما ستُقاس جودة الوظائف الجديدة من خلال مؤشرات تشمل استمرارية الوظائف، ومستويات الأجور، والاستفادة من الحماية الاجتماعية، والالتزام بمعايير العمل اللائق.
وستتابع الوزارة أيضًا فعالية برامج التدريب من خلال قياس نسبة المشاركين الذين يحصلون على وظائف بعد انتهاء التدريب، ومدى استمرارهم في العمل لفترة زمنية مناسبة، إلى جانب قياس مدى توافق المهارات المكتسبة مع احتياجات أصحاب العمل من خلال ملاحظاتهم وتقييماتهم.
كما ستراقب الوزارة التقدم نحو زيادة الانتقال إلى الاقتصاد المنظم وتوسيع نطاق استفادة العاملين من الحماية القانونية.
وبذلك، لن يكون السؤال بحلول عام 2030 هو فقط: كم شخصًا دخل برنامجًا تدريبيًا؟ بل ماذا حدث له بعد ذلك؟ وهل تمكن من الحصول على وظيفة مستقرة؟ وهل بقي فيها؟ وهل ساعدته المهارات التي اكتسبها على بناء مصدر دخل مستدام؟
ما الذي تختبره الاستراتيجية؟
تأتي الاستراتيجية الوطنية للإدماج الاقتصادي في وقت يواجه فيه لبنان مزيجًا من البطالة وفقدان الوظائف وعدم الاستقرار الاقتصادي والضغوط المتزايدة على الأسر الأكثر هشاشة.
وفي هذا السياق، لا يكمن التحدي في خلق وظائف جديدة فحسب، بل في بناء منظومة تربط الأشخاص بالمهارات والخدمات والفرص التي يحتاجون إليها للمشاركة في الاقتصاد.
وبالنسبة إلى وزارة العمل، يتطلب ذلك تعزيز خدمات التوظيف، وتطوير أنظمة التدريب، وتعميق التعاون مع القطاع الخاص، وتشجيع ريادة الأعمال، بالتوازي مع ضمان أن تكون فرص العمل لائقة ومحمية.
وكان الاتحاد الأوروبي قد استثمر أكثر من 20 مليون يورو في برامج الإدماج الاقتصادي في لبنان بين عامي 2023 و2026، بحسب سفيرة الاتحاد الأوروبي في لبنان ساندرا دي وايل، التي جددت دعم الاتحاد لتنفيذ الاستراتيجية. كما شهد إطلاق الاستراتيجية توقيع ميثاق شراكة للإدماج الاقتصادي بين وزارة الشؤون الاجتماعية وعدد من الجهات العامة والخاصة والمؤسسات المالية والإنمائية ومنظمات المجتمع المدني.
لكن الاختبار الحقيقي للاستراتيجية لن يكون في عدد البرامج أو الشراكات أو شهادات التدريب التي يتم إطلاقها.
سيكون في قدرة عامل فقد وظيفته على العودة إلى عمل مستقر، وفي قدرة شاب على اكتساب مهارة يحتاج إليها أصحاب العمل فعلًا، وفي قدرة امرأة على دخول سوق العمل والاستمرار فيه من دون عوائق تحول دون تقدمها، وفي قدرة شخص من ذوي الإعاقة على الوصول إلى فرصة عادلة وحقيقية لكسب العيش.
وفي النهاية، اذا نجح لبنان في بناء هذا الجسر، فقد تشكل الاستراتيجية الوطنية للإدماج الاقتصادي خطوة نحو سوق عمل أكثر شمولًا وإنتاجية وقدرة على الصمود والاستدامة.