
لبنان - في 31 تموز، أطلقت وزارة التربية والتعليم العالي خطة استمرارية التعلّم للعام الدراسي 2026-2027، في خطوة تهدف إلى ضمان استمرار العملية التعليمية رغم التحديات التي شهدها لبنان خلال السنوات الأخيرة، من الأزمة الاقتصادية إلى تداعيات الصراعات.
ويأتي هذا الإعلان في وقت يطلق فيه المجتمع الدولي المعني بالتعليم تحذيرات متزايدة، إذ يشير تقرير الرصد العالمي للتعليم (GEM) الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) لعام 2026 إلى أن العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة (SDG 4)، والمتمثل في ضمان تعليم شامل ومنصف وجيد للجميع بحلول عام 2030.
فماذا يكشف التقرير؟ وأين يقف لبنان في هذا المشهد؟
ما هو الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة؟
اعتمدت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة عام 2015 أهداف التنمية المستدامة، وهي مجموعة تضم 17 هدفًا عالميًا تهدف إلى تحسين حياة الناس وحماية كوكب الأرض بحلول عام 2030.
ويركز الهدف الرابع على التعليم، إذ يدعو إلى ضمان حصول جميع الأطفال على تعليم ابتدائي وثانوي مجاني وجيد، وتوفير فرص تعليم متكافئة بغض النظر عن الجنس أو الخلفية الاجتماعية، وتعزيز مهارات القراءة والكتابة، وتأهيل المعلمين، وتوفير بيئات تعليمية آمنة.
كما يرتبط التعليم ارتباطًا وثيقًا بتحقيق بقية أهداف التنمية المستدامة، إذ يسهم في تحسين الصحة، والحد من الفقر، وتعزيز المساواة بين الجنسين، ودعم النمو الاقتصادي، وبناء مجتمعات أكثر استقرارًا.
لماذا تقول اليونسكو إن العالم يتأخر في تحقيق أهداف التعليم؟
بحسب أحدث تقرير للرصد العالمي للتعليم، شهد التقدم في قطاع التعليم تباطؤًا ملحوظًا، ما يجعل العالم بعيدًا عن تحقيق أهدافه بحلول عام 2030.
ورغم أن عدد الأطفال الملتحقين بالمدارس اليوم يفوق ما كان عليه قبل عقدين، لا تزال تحديات كبيرة قائمة. فما زال ملايين الأطفال واليافعين خارج مقاعد الدراسة، كما أن كثيرًا من الملتحقين بالمدارس لا يكتسبون المهارات الأساسية في القراءة والرياضيات.
ويعزو التقرير هذا التباطؤ إلى عدة عوامل، من بينها النزاعات المسلحة، والأزمات الإنسانية، وعدم الاستقرار الاقتصادي، واتساع فجوات عدم المساواة، إضافة إلى محدودية الاستثمار في أنظمة التعليم. كما أن النمو السكاني في عدد من الدول جعل من الصعب على الحكومات توسيع فرص التعليم بالوتيرة المطلوبة.
وتحذر اليونسكو من أن ملايين الأطفال قد يظلون محرومين من التعليم الجيد حتى بعد عام 2030، ما لم تُعزَّز الاستثمارات وتُنفَّذ إصلاحات مستدامة في قطاع التعليم.
سنوات من الاضطرابات
شهد قطاع التعليم في لبنان سلسلة من الانقطاعات خلال السنوات الماضية.
فقد أثقلت الأزمة المالية كاهل التعليم الرسمي، بينما أثرت إضرابات المعلمين، والتضخم، ونقص التمويل على سير العملية التعليمية داخل المدارس. وفي الآونة الأخيرة، تسببت النزاعات وعمليات النزوح في تعطيل تعليم آلاف الطلاب، فيما تعرضت بعض المدارس لأضرار أو استُخدمت كمراكز إيواء خلال فترات التصعيد.
ورغم هذه التحديات، لا يزال لبنان يحافظ على معدلات التحاق مدرسي مرتفعة نسبيًا مقارنة بدول أخرى تواجه أزمات مشابهة. إلا أن ضمان بقاء الطلاب في المدارس وتعويض الفاقد التعليمي يظل من أبرز التحديات التي تواجه القطاع.
لذلك، لم يعد ضمان استمرارية التعلّم يقتصر على إعادة فتح المدارس، بل أصبح أولوية أساسية لضمان استمرار التعليم في مختلف الظروف.
ما هي خطة لبنان الجديدة لاستمرارية التعلّم؟
في إطار مواجهة هذه التحديات، أطلقت وزارة التربية والتعليم العالي مؤخرًا خطة استمرارية التعلّم للعام الدراسي 2026-2027 تحت شعار «مدرسة لكل مجتمع محلي، ومساحة تعلّم لكل متعلّم».
وتهدف الخطة إلى ضمان استمرار العملية التعليمية حتى في حال تعرض المدارس لأي اضطرابات. وتشمل أهدافها توسيع فرص الوصول إلى التعليم، والاستفادة من مساحات تعليمية بديلة عند الحاجة، ودعم الفئات الأكثر هشاشة، وتعزيز الجاهزية لمواجهة حالات الطوارئ.
ولا تقتصر المبادرة على الاستجابة للأزمات بعد وقوعها، بل تسعى إلى بناء نظام تعليمي أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع الأزمات المستقبلية.
كما تعكس الخطة توجهًا عالميًا متزايدًا نحو تصميم أنظمة تعليمية قادرة على مواصلة عملها خلال النزاعات والكوارث الطبيعية وغيرها من حالات الطوارئ.
هل يستطيع لبنان تضييق الفجوة؟
يوضح تقرير اليونسكو أن تحسين فرص الوصول إلى التعليم ليس سوى جزء من التحدي، إذ لا يقل أهمية عن ذلك ضمان اكتساب الطلاب للمهارات الأساسية، واستمرارهم في الدراسة، وحصولهم على تعليم عالي الجودة.
وتمثل خطة استمرارية التعلّم في لبنان خطوة في اتجاه حماية حق الطلاب في التعليم خلال فترات عدم اليقين. إلا أن نجاحها سيعتمد على حسن التنفيذ، وتوفير التمويل الكافي، ودعم المعلمين، واستمرار التعاون مع الشركاء الدوليين.
ومع استمرار العد التنازلي نحو عام 2030، يواجه لبنان السؤال ذاته الذي يواجهه كثير من دول العالم: كيف يمكن ضمان ألا يقتصر الأمر على عودة الأطفال إلى المدارس، بل أن يحصلوا أيضًا على تعليم نوعي يمكّنهم من النجاح والازدهار؟
ويبقى مدى قدرة لبنان على تحويل الإصلاحات الحالية إلى تحسينات مستدامة عاملًا حاسمًا في تحديد مدى اقترابه من تحقيق أهداف التعليم العالمية التي تؤكد اليونسكو أنها تزداد ابتعادًا عن متناول العالم.