
لبنان - تقترح دراسة جديدة أداة غير تقليدية للإنذار المبكر بالانكماش الاقتصادي، تتمثل في استطلاع آراء الشباب بشكل منتظم حول نظرتهم إلى مستقبل بلدهم الاقتصادي والاجتماعي.
الدراسة، التي تحمل عنوان «مؤشر لمعنويات الشباب كمؤشر اقتصادي رائد»، أعدّها جهاد الحكيم من «إعادة التفكير في لبنان» (Rethinking Lebanon)، والجامعة الأميركية في بيروت، وجامعة القديس يوسف في بيروت، ونُشرت في مجلة القياس الاقتصادي والاجتماعي (Journal of Economic and Social Measurement)، وهي مجلة أكاديمية محكّمة تصدر عن دار SAGE للنشر.
وتشير الدراسة إلى أن معنويات الشباب يمكن أن توفر مؤشراً مبكراً إلى اتجاه الاقتصاد، لأن الشباب غالباً ما يكونون من بين الفئات الأولى التي تتأثر بالتغيرات في سوق العمل. كما أنهم ينتقلون من وظيفة إلى أخرى ويدخلون سوق العمل ويخرجون منه بوتيرة أكبر من العمال الأكبر سناً، ما يجعل تصوراتهم أكثر حساسية للتحولات في الظروف الاقتصادية.
كيف يعمل مؤشر الشباب؟
يقترح المؤشر إجراء استطلاع على عينة تمثيلية من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، تشمل المقيمين في لبنان والشباب اللبنانيين في الخارج.
وسيجيب المشاركون عن أسئلة تتناول ظروفهم المعيشية، وفرص العمل، وتوقعاتهم الاقتصادية، وأداء الحكومة، والأمن، ومدى ثقتهم بالمؤسسات. وسيتركز جانب أساسي من الاستطلاع على ما إذا كانوا يعتقدون أن أوضاع البلاد ستتحسن أو تتراجع في السنوات المقبلة.
وسيُطلب من المشاركين اختيار إجابة واحدة من ثلاث لكل سؤال: تحسن، تراجع، أو عدم تغيير. ثم تُحوّل الإجابات إلى نتيجة واحدة تتراوح بين 0 و100، باستخدام معادلة انتشار مشابهة لتلك المستخدمة في مؤشر مديري المشتريات (PMI) على نطاق واسع.
وستشكّل 50 نقطة الحد الفاصل الأساسي. وتشير قراءة تتجاوز 50 إلى تفاؤل أكبر بين الشباب وإلى احتمال تحسن الظروف الاقتصادية، بينما تعكس القراءة التي تقل عن 50 مستويات أعلى من القلق واحتمال حدوث انكماش اقتصادي مستقبلاً.
وتقترح الدراسة أن تدفع قراءة تقل عن 45 نقطة لفترتين متتاليتين الحكومة إلى إجراء مراجعة رسمية لسياساتها الاقتصادية والاجتماعية.
لماذا قد يهم المؤشر لبنان؟
يأتي المؤشر المقترح في وقت يعاني فيه لبنان من فجوات كبيرة في البيانات الاقتصادية المتاحة في الوقت المناسب. فمنذ بدء الأزمة المالية والاقتصادية في البلاد عام 2019، أصبح الحصول على بيانات موثوقة أكثر صعوبة، فيما تصل العديد من المؤشرات الحالية في وقت متأخر، ما يحد من قدرتها على توفير إنذار مبكر.
وقد يوفر استطلاع الشباب بديلاً سريعاً ومنخفض التكلفة نسبياً. وتقترح الدراسة أن تنفذه «إعادة التفكير في لبنان» بالشراكة مع جامعة أو مؤسسة عامة، من دون الحاجة إلى موارد مالية كبيرة.
كما أن إشراك الشباب اللبناني المقيم في الخارج سيمنح المؤشر بُعداً مميزاً. فقد أصبحت الهجرة جزءاً أساسياً من الواقع الاقتصادي للبنان، وسيُميّز الاستطلاع بين المشاركين المقيمين داخل البلاد وخارجها.
ويمكن لتوقعاتهم بشأن مستقبل لبنان أن توفر مؤشرات حول مدى ثقتهم بآفاق البلاد الاقتصادية واستعدادهم للحفاظ على ارتباطهم بها.
مقاربة جديدة للتنبؤ الاقتصادي
توجد بالفعل استطلاعات لآراء الشباب ومقاييس لثقة المستهلكين في العديد من الدول، إلا أن الدراسة تشير إلى عدم وجود مؤشر وطني معتمد للإنذار الاقتصادي مبني تحديداً على آراء الشباب.
وعليه، يُقدَّم مؤشر الشباب اللبناني المقترح باعتباره أول مؤشر رائد من نوعه، على غرار مؤشر مديري المشتريات، يركز حصراً على معنويات الشباب.
ولا تزال الدراسة ذات طابع نظري، إذ جرى تطوير المؤشر من الناحيتين النظرية والتطبيقية، لكنه لم يُختبر بعد من خلال استطلاع فعلي. ويدعو صاحب الدراسة المؤسسات اللبنانية والجامعات والشركاء الدوليين إلى التعاون مع «إعادة التفكير في لبنان» لإجراء الجولة الأولى من الاستطلاع.
وفي حال تطبيقه، يمكن للمؤشر أن يؤدي دورين في آن واحد: تزويد صانعي السياسات بإشارة إضافية إلى الاتجاه الذي قد يسلكه الاقتصاد، ومنح الشباب دوراً أكثر مباشرة في صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية.