
العالم – تعثّر التعافي العالمي في توظيف الشباب الذي أعقب جائحة كوفيد-19، ما يترك ملايين الشباب أمام انتقال أكثر غموضًا من التعليم إلى سوق العمل.
ويخلص تقرير الاتجاهات العالمية للتوظيف للشباب 2026: العودة إلى المستقبل الصادر عن منظمة العمل الدولية (ILO) إلى أن تباطؤ النمو الاقتصادي، وضعف خلق فرص العمل، والتوترات الجيوسياسية، والتغير التكنولوجي السريع، كلها عوامل تجعل من الصعب على الشباب الحصول على عمل لائق.
ويحذّر التقرير من أن التحدي لم يعد يقتصر على قدرة الشباب على العثور على وظائف، بل بات يتعلق أيضًا بما إذا كانت هذه الوظائف توفر الاستقرار والحماية ومسارًا واقعيًا نحو الاستقلال وبناء حياة مهنية.
ارتفاع البطالة بين الشباب مجددًا
بعد أن سجلت أدنى مستوى لها منذ أكثر من عقدين في عام 2023، ارتفعت نسبة البطالة العالمية بين الشباب بشكل طفيف إلى 12.4% في عام 2025. ويعادل ذلك نحو 67 مليون شاب عاطل عن العمل حول العالم، أي بزيادة تقارب مليوني شاب مقارنة بعام 2023.
ويشمل هذا التدهور معظم المناطق. فقد ارتفعت معدلات البطالة بين الشباب أو بقيت مستقرة إلى حد كبير في 8 من أصل 11 منطقة فرعية حول العالم بين عامي 2023 و2025. وسجلت الدول العربية أعلى معدل عند 26.2%، تلتها شمال أفريقيا بنسبة 22.6%. كما شهدت المنطقتان ارتفاعًا في معدلات البطالة مقارنة بعام 2023.
وتبرز المشكلة بشكل خاص بين الشباب الذين يدخلون سوق العمل للمرة الأولى. فعلى مستوى العالم، شكّل الباحثون عن عمل للمرة الأولى 45.1% من العاطلين عن العمل الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و29 عامًا في أحدث البيانات المتاحة، مقارنة بـ43.4% في نحو عام 2016. ويشير التقرير إلى أن ذلك يعكس الصعوبات المتزايدة التي يواجهها الداخلون الجدد إلى سوق العمل، مع ازدياد حذر أصحاب العمل في التوظيف.
ملايين الشباب خارج العمل والتعليم
لكن البطالة لا تعكس سوى جزء من المشكلة.
وترصد منظمة العمل الدولية أيضًا الشباب الذين ليسوا في العمل أو التعليم أو التدريب، ويُعرفون اختصارًا باسم NEET. وفي عام 2025، بلغ المعدل العالمي لهذه الفئة 20%، مقارنة بـ19.7% في عام 2023. وهذا يعني أن أكثر من 257 مليون شاب كانوا خارج العمل والتعليم أو التدريب، بزيادة قدرها 9 ملايين شاب خلال عامين فقط.
وتثير الأوضاع قلقًا خاصًا في الدول العربية، حيث بلغ معدل الشباب خارج العمل أو التعليم أو التدريب 32.4% في عام 2025، فيما سجلت شمال أفريقيا معدلًا بلغ 30.1%. وتحذّر منظمة العمل الدولية من أن ارتفاع هذه النسب قد يشير إلى ازدياد شعور الشباب بالإحباط وانسحابهم من سوق العمل بشكل كامل.
كما أن العبء يرتبط بشكل واضح بالنوع الاجتماعي. فعلى مستوى العالم، أكثر من شخصين من كل ثلاثة شباب مصنفين ضمن فئة NEET هم من النساء. وبلغ معدل هذه الفئة بين الشابات 27.4% في عام 2025، أي أكثر من ضعف المعدل المسجل بين الشباب الذكور، والذي بلغ 13.1%. ويربط التقرير هذه الفجوة بعوامل تشمل مسؤوليات الرعاية غير المدفوعة، ومحدودية الوصول إلى رعاية أطفال بأسعار معقولة، والتمييز، والعمل غير المستقر.
الوظائف المتاحة للشباب تتغير
حتى عندما يتمكن الشباب من العثور على عمل، فإن نوعية الوظائف وطبيعتها تشهد تغيرًا.
وبلغ عدد الشباب العاملين 476 مليونًا في عام 2025، وهو أعلى مستوى منذ عام 2013. لكن التوظيف ينمو بوتيرة أبطأ من نمو عدد الشباب، ما أدى إلى انخفاض نسبة الشباب العاملين إلى إجمالي عدد الشباب إلى 37.1%.
ومن أبرز مخاوف التقرير تراجع الوظائف التي تتطلب مهارات متوسطة. وتشمل هذه الوظائف الأعمال المكتبية، والمبيعات والخدمات، والمهن الزراعية الماهرة، والحرف والمهن المرتبطة بها، إضافة إلى مشغلي المصانع والآلات وعمال التجميع. وقد شكّلت العديد من هذه الوظائف تقليديًا نقطة دخول للشباب إلى سوق العمل.
في المقابل، واصلت مجالات تتطلب مهارات عالية، مثل العلوم والهندسة والصحة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، النمو بشكل عام. ويؤدي ذلك إلى اتساع الفجوة بين المهارات التي يمتلكها الشباب والوظائف المتاحة أمامهم.
الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين
يزيد الذكاء الاصطناعي من المخاوف بشأن مستقبل الوظائف المخصصة للمبتدئين.
وتقدّر منظمة العمل الدولية أن 6.1% من الوظائف التي يشغلها حاليًا الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا تقع ضمن مهن ذات تعرض مرتفع للذكاء الاصطناعي. إلا أن التقرير يشدد على أن التعرض للذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة فقدان الوظائف. ففي كثير من الحالات، قد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تغيير المهام بدلًا من إلغاء المهن بأكملها.
ويحدد التقرير أيضًا عقبة أخرى تتمثل في “تضخم متطلبات الخبرة”. إذ يواجه الشباب بشكل متزايد وظائف مخصصة للمبتدئين تشترط سنوات من الخبرة السابقة أو مهارات ترتبط تقليديًا بموظفين أكثر خبرة. وهذا يخلق مفارقة: يحتاج الشباب إلى الخبرة للحصول على وظيفة، لكنهم لا يستطيعون اكتساب هذه الخبرة من دون الحصول على فرصة عمل.
ماذا يعني ذلك للبنان؟
لا يورد التقرير معدلًا منفصلًا للبطالة بين الشباب أو معدل NEET في لبنان، وبالتالي لا ينبغي اعتبار الأرقام الإقليمية التي توردها منظمة العمل الدولية أرقامًا خاصة بلبنان.
لكن لبنان يرتبط بشكل مباشر بأحد المحاور الرئيسية التي يركز عليها التقرير. فهو واحد من ثماني دول مشمولة بشراكة PROSPECTS التي تقودها منظمة العمل الدولية، والتي تهدف إلى تحسين الاندماج الاجتماعي والاقتصادي للنازحين والمجتمعات المضيفة من خلال التعليم وتنمية المهارات والتوظيف والحماية الاجتماعية.
ويشير التقرير تحديدًا إلى أن نوادي البحث عن عمل ساعدت الشباب النازحين في الانتقال إلى سوق العمل في لبنان والأردن.
وبالنسبة إلى لبنان، تتمثل الرسالة الأوسع في أن تحسين فرص العمل أمام الشباب لا يمكن أن يعتمد فقط على تخريج المزيد من الطلاب أو تدريب الشباب على التقنيات الجديدة. وترى منظمة العمل الدولية أن الحكومات بحاجة إلى سياسات تخلق فرص عمل، وتعزز التعليم وبرامج التدريب المهني، وتحسّن خدمات التوظيف، وتوسّع نطاق الحماية الاجتماعية. كما تدعو إلى تطوير مهارات تجمع بين القدرات التقنية والمهارات الاجتماعية والمعرفية، إلى جانب تعزيز التعلم مدى الحياة واعتماد نهج يضع الإنسان في صميم سياسات الذكاء الاصطناعي.
إعادة الشباب «إلى المستقبل»
تتمثل الرسالة الأساسية لمنظمة العمل الدولية في أن الشباب يحتاجون إلى أكثر من مجرد وظائف. فهم يحتاجون إلى عمل لائق يوفر الأمان والكرامة وفرص بناء مسارات مهنية مستدامة.
ومع توقع بقاء معدل البطالة العالمية بين الشباب عند نحو 12.3% حتى عام 2027، وتجاوز عدد الشباب خارج العمل والتعليم والتدريب 264 مليونًا، يرى التقرير أن انتظار أسواق العمل لتصحيح نفسها ليس كافيًا.
ويتمثل التحدي في إعادة جعل الانتقال من التعليم إلى العمل مسارًا ممكنًا وفعّالًا، قبل أن يجد جيل كامل من الشباب نفسه خارج الفرص التي يُفترض أن يوفرها العمل.