
العالم – حذّر المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لأوروبا، الدكتور هانس هنري بي. كلوج، من اتساع الفجوة بين اعتماد الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة ووضع الأطر اللازمة لحوكمته، مشيراً إلى أن 8% فقط من دول إقليم منظمة الصحة العالمية في أوروبا لديها استراتيجية خاصة بالذكاء الاصطناعي في مجال الصحة.
وجاءت تصريحات كلوج في بيان أصدرته منظمة الصحة العالمية في 15 تموز 2026 من العاصمة البرتغالية لشبونة، حيث أشار إلى أن ما يقارب ثلثي دول الإقليم تستخدم بالفعل الذكاء الاصطناعي في تشخيص الأمراض، فيما أدخلت نصف الدول روبوتات محادثة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لخدمة المرضى.
وقال كلوج إن ذلك يعني أن الدول تستخدم تكنولوجيا ستعيد تشكيل الرعاية الصحية والطب، بينما لا تمتلك سوى دولة واحدة من كل 12 دولة تقريباً استراتيجية واضحة لحوكمتها بصورة مسؤولة.
وبحسب تقييم أجرته منظمة الصحة العالمية/أوروبا حول جاهزية الدول الـ53 الأعضاء في الإقليم لاعتماد الذكاء الاصطناعي، فإن 98% من الدول تعتبر تحسين رعاية المرضى المحرك الرئيسي لاعتماد هذه التكنولوجيا.
وأشار كلوج إلى أن الذكاء الاصطناعي بدأ بالفعل بتحقيق نتائج ملموسة في القطاع الصحي، مستشهداً بتجربة مدينة كويمبرا في البرتغال، حيث تساعد تقنيات تحليل الصور المدعومة بالذكاء الاصطناعي الأطباء على اكتشاف أمراض الصدر والكسور بشكل أسرع، ما يساهم في تقليص فترات الانتظار في الرعاية الصحية الأولية وأقسام الطوارئ.
في المقابل، أظهر التقييم فجوات كبيرة في مجال الحوكمة والتدريب. وأوضح كلوج أن دولة واحدة فقط من كل خمس دول توفر تعليماً متخصصاً بالذكاء الاصطناعي للعاملين في القطاع الصحي قبل تخرجهم، فيما تقدم دولة واحدة من كل أربع تدريباً مماثلاً للعاملين بعد دخولهم سوق العمل.
كما أن أقل من نصف دول الإقليم قيّمت مدى ملاءمة أطرها القانونية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، في حين لا تزال نحو 40% من الدول تفتقر إلى أي إرشادات أخلاقية بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحة.
وحذّر المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية من أن استمرار تأخر الحوكمة عن وتيرة اعتماد التكنولوجيا قد يؤدي إلى عواقب مباشرة على المرضى والعاملين في القطاع الصحي، بما في ذلك احتمال أن تؤدي الخوارزميات المتحيزة إلى تشخيصات خاطئة، أو أن يعتمد العاملون الصحيون على أنظمة ذكاء اصطناعي لا يستطيعون فهم آلية عملها أو تقييم نتائجها بشكل كافٍ.
ولمعالجة هذه الفجوات، دعا كلوج إلى اتخاذ ثلاث خطوات أساسية، تتمثل أولاً في مواءمة الحوكمة مع سرعة انتشار الذكاء الاصطناعي، بحيث تمتلك كل دولة تستخدم هذه التكنولوجيا في الصحة استراتيجية واضحة، ومعايير للمسؤولية القانونية، وبرامج تدريب للعاملين الذين يستخدمون هذه الأدوات.
أما الخطوة الثانية، فتتمثل في تعزيز التعاون الدولي، مشيراً إلى أن منظمة الصحة العالمية جمعت 37 دولة من مختلف أقاليم المنظمة الستة في لشبونة لتبادل الخبرات وتحديد الاحتياجات اللازمة لضمان الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في الصحة على نطاق أوسع.
وتتعلق الخطوة الثالثة بتعزيز التعاون بين الدول الناطقة بالبرتغالية، إذ تعمل المنظمة على وضع خارطة طريق للتعاون بين الدول الناطقة بالبرتغالية في مجال الذكاء الاصطناعي والصحة، بمشاركة البرتغال وأنغولا والبرازيل وموزمبيق وشركائها، على أن يُطرح إطلاقها خلال القمة الصحية الإقليمية في البرازيل عام 2028.
وأكد كلوج أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي لن تحدده الخوارزميات وحدها، بل الأطر التنظيمية والشراكات والإرادة السياسية التي يتم بناؤها اليوم، لضمان أن تخدم هذه التكنولوجيا جميع المجتمعات، وليس فقط الدول والفئات القادرة على تطويرها وتوجيهها.
وتأتي تحذيرات منظمة الصحة العالمية في وقت يتسارع فيه استخدام الذكاء الاصطناعي في التشخيص والرعاية الصحية، ما يجعل تطوير الأطر القانونية والأخلاقية والتدريبية بالتوازي مع هذا الانتشار عاملاً أساسياً لضمان استخدام آمن وعادل للتكنولوجيا في القطاع الصحي.