
لبنان - يشمل اقتصاد الرعاية الأعمال المدفوعة وغير المدفوعة المرتبطة برعاية الأشخاص، بما في ذلك رعاية الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، إضافة إلى الرعاية الصحية والتعليم والعمل المنزلي الذي يتم داخل الأسر.
في لبنان، تؤثر الرعاية بشكل كبير على علاقة النساء بسوق العمل. فهي تؤثر في مدى مشاركة النساء في العمل المأجور من جهة، فيما تشكل الوظائف المرتبطة بالرعاية جزءاً كبيراً من الأعمال التي تؤديها النساء العاملات من جهة أخرى.
ويقدم تحليل إحصائي جديد أعدّته الإدارة المركزية للإحصاء، واستند بشكل أساسي إلى بيانات عامي 2018 و2019، مع الاستعانة بمسح المتابعة لعام 2022، صورة مفصلة عن هذه العلاقة.
تقل احتمالية مشاركة النساء في سوق العمل بشكل كبير مقارنة بالرجال. فقد كانت نحو 70% من النساء اللواتي تبلغ أعمارهن 15 عاماً وما فوق خارج قوة العمل في مسح 2018–2019، بينما بلغت نسبة المشاركات نحو 30%. أما نسبة النساء العاملات فعلياً فبلغت نحو 25%، أي أن واحدة فقط من كل أربع نساء تقريباً بعمر 15 عاماً وما فوق كانت تعمل.
وتشكل مسؤوليات الرعاية والأسرة جزءاً مهماً من هذه الفجوة.
فمن بين النساء خارج قوة العمل اللواتي كنّ يرغبن في العمل لكنهن لم يبحثن عن وظيفة، ذكرت 32% منهن مسؤوليات الأسرة أو المنزل باعتبارها السبب الرئيسي لذلك في عامي 2018–2019 و2022. في المقابل، بلغت النسبة بين الرجال 2% فقط.
كما برزت المسؤوليات المنزلية بشكل واضح بين النساء اللواتي لم يرغبن في العمل. ففي عام 2022، ذكرت 65% من هؤلاء النساء أن المسؤوليات المنزلية كانت النشاط الرئيسي الذي يصف وضعهن، مقارنة بـ7% من الرجال.
وتوضح هذه الأرقام كيف يمكن لمسؤوليات الرعاية أن تؤثر في قدرة النساء على المشاركة في العمل المأجور أو رغبتهن في ذلك.
لا تقتصر الرعاية على الأعمال غير المدفوعة داخل المنزل، بل تشكل أيضاً جزءاً مهماً من سوق العمل في لبنان، سواء في الوظائف الرسمية أو غير الرسمية.
في 2018–2019، كانت نحو 55% من النساء العاملات يعملن في وظائف مرتبطة بالرعاية، مقارنة بـ7% فقط من الرجال العاملين. وهذا يعني أن احتمال عمل المرأة في وظيفة مرتبطة بالرعاية كان يقارب ثمانية أضعاف احتمال عمل الرجل في هذا النوع من الوظائف.
وبشكل عام، شكّل العمل في قطاع الرعاية 22% من إجمالي العمالة في لبنان، أي أن أكثر من شخص واحد من كل خمسة أشخاص عاملين كان يعمل في وظيفة مرتبطة بالرعاية.
وشكّلت النساء نحو 77% من إجمالي العاملين في مجال الرعاية، مقابل 23% للرجال.
وبحلول عام 2022، بقيت الرعاية جزءاً كبيراً من عمل النساء، رغم تراجع حصتها إلى 48% من إجمالي عمالة النساء. كما شكّلت وظائف الرعاية 18% من إجمالي العمالة، فيما بلغت حصة النساء من العاملين في مجال الرعاية 67%.
يتبع تحليل الإدارة المركزية للإحصاء الإطار الإحصائي لمنظمة العمل الدولية، ويحدد وظائف الرعاية من خلال الجمع بين مهنة العامل والقطاع الاقتصادي الذي يعمل فيه.
ويقسم العمل في مجال الرعاية إلى أربع مجموعات: العاملون في وظائف الرعاية ضمن قطاعات الرعاية، مثل المعلمين والعاملين في مجال الرعاية الصحية؛ والعاملون في الخدمة المنزلية لدى الأسر، مثل عمال التنظيف والطهي ومقدمي الرعاية؛ والعاملون في وظائف الرعاية ضمن قطاعات غير مرتبطة بالرعاية؛ والعاملون في وظائف غير مرتبطة بالرعاية ضمن قطاعات الرعاية، مثل الموظفين الإداريين والمحاسبين في المدارس أو المستشفيات.
ويكتسب هذا التمييز أهمية لأن العاملين في اقتصاد الرعاية لا يشكلون مجموعة متجانسة، بل يختلفون في طبيعة وظائفهم وخلفياتهم وظروف عملهم.
في 2018–2019، توزعت عمالة النساء في مجال الرعاية بشكل شبه متساوٍ بين العاملات في وظائف الرعاية ضمن قطاعات الرعاية والعاملات في الخدمة المنزلية لدى الأسر.
وشكلت العاملات في وظائف الرعاية ضمن قطاعات الرعاية 44% من إجمالي عمالة النساء في مجال الرعاية، بينما شكلت العاملات في الخدمة المنزلية 43%. وكان التعليم بارزاً بشكل خاص ضمن المجموعة الأولى، إذ شكّل العاملون في مهن التعليم 28% من إجمالي النساء العاملات في مجال الرعاية.
لكن تركيبة عمالة النساء في مجال الرعاية تغيرت بشكل ملحوظ بحلول عام 2022. فقد ارتفعت حصة العاملات في وظائف الرعاية ضمن قطاعات الرعاية إلى 62%، بينما تراجعت حصة العاملات في الخدمة المنزلية إلى 16%.
وجاء تراجع العمل المنزلي خلال فترة الأزمة الاقتصادية والمالية في لبنان وجائحة كوفيد-19، في وقت يُرجح أن انخفاض القدرة الشرائية للأسر قلّل قدرتها على توظيف عاملات منزليات.
كما ارتفعت حصة التعليم، الذي شكل 39% من عمالة النساء في مجال الرعاية في عام 2022.
لا تشكل النساء العاملات في وظائف الرعاية مجموعة واحدة متجانسة.
ففي 2018–2019، كانت 82% من النساء العاملات في مهن الرعاية ضمن قطاعات الرعاية يحملن تعليماً جامعياً أو أعلى. أما العاملات في الخدمة المنزلية، فكانت الصورة مختلفة تماماً، إذ كان نحو 90% منهن يحملن تعليماً متوسطاً أو أدنى، فيما شكلت النساء غير اللبنانيات نحو 93% من هذه المجموعة.
كما اختلفت ظروف العمل بشكل كبير.
فقد كانت نحو 61% من النساء العاملات في مجال الرعاية يعملن بشكل غير رسمي في 2018–2019، ما يعني أنهن لم يحصلن على مساهمات في الضمان الاجتماعي يدفعها صاحب العمل أو على مزايا أساسية مثل الإجازات السنوية والمرضية المدفوعة.
وبلغت نسبة العمل غير الرسمي بين العاملات في الخدمة المنزلية نحو 100% تقريباً.
لكن العمل غير الرسمي لم يقتصر على الخدمة المنزلية، إذ شمل أيضاً 32% من العاملات في وظائف الرعاية ضمن قطاعات الرعاية و33% من العاملات في وظائف غير مرتبطة بالرعاية ضمن قطاعات الرعاية.
وبحلول عام 2022، تراجعت نسبة العمل غير الرسمي بين النساء في وظائف الرعاية إلى 51%. إلا أن هذا الانخفاض لا يعني بالضرورة تحسناً عاماً في ظروف العمل في اقتصاد الرعاية.
فالعاملات في الخدمة المنزلية، اللواتي سجلن أعلى معدلات العمل غير الرسمي، أصبحن يشكلن حصة أصغر بكثير من عمالة النساء في مجال الرعاية، بينما ارتفعت معدلات العمل غير الرسمي في بعض مجموعات الرعاية الأخرى.
تظهر البيانات أن للرعاية دوراً مزدوجاً في سوق العمل اللبناني. فمن جهة، يمكن لمسؤوليات الرعاية والعمل المنزلي غير المدفوع أن تبقي النساء خارج سوق العمل المأجور. ومن جهة أخرى، توفر وظائف الرعاية فرص عمل لنسبة كبيرة من النساء المشاركات في سوق العمل.
في الوقت نفسه، يضم اقتصاد الرعاية نساءً يختلفن بشكل كبير من حيث المستوى التعليمي والجنسية وظروف العمل.
ويُعد فهم هذه الاختلافات مهماً عند دراسة عمل النساء في لبنان. فاقتصاد الرعاية لا يمثل نوعاً واحداً من العمل أو مجموعة واحدة من العاملات، بل يشكل جزءاً واسعاً من الحياة الأسرية وسوق العمل في آن واحد.