
الدوحة – تضاعف عدد الطلاب الملتحقين بمؤسسات التعليم العالي في الدول العربية نحو ثلاث مرات خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، ليصل إلى نحو 15 مليون طالب، إلا أن استمرار التفاوت في فرص الوصول إلى التعليم، وارتفاع معدلات بطالة الخريجين، ومحدودية التمويل المخصّص للبحث العلمي، لا تزال تشكّل تحديات أمام الأنظمة التعليمية في المنطقة، وفق تقرير جديد صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).
ويحمل التقرير عنوان «واقع التعليم العالي في الدول العربية»، وقد أعدّه بشكل مشترك معهد اليونسكو الدولي للتعليم العالي في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (UNESCO IESALC)، والمكتب الإقليمي لليونسكو في بيروت. ويقدّم مراجعة شاملة لأنظمة وسياسات التعليم العالي في 19 دولة عربية.
وعلى الرغم من هذا التوسع، بلغت نسبة الالتحاق الإجمالية بالتعليم العالي في المنطقة 37% عام 2024، مقارنة بمتوسط عالمي بلغ 44%. كما لا تزال فرص الوصول إلى التعليم متفاوتة، إذ تتأثر بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والفوارق الجغرافية.
ويسلّط التقرير الضوء على الفجوة المستمرة بين التحصيل العلمي واحتياجات سوق العمل. فعلى الرغم من أن نحو ثلث خريجي الجامعات في الدول العربية يحملون شهادات في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM)، لا تزال بطالة الشباب تبلغ نحو 26%، أي ما يقارب ضعف المتوسط العالمي. وقد ترتفع معدلات البطالة أكثر بين الشباب الحاصلين على شهادات جامعية متقدمة، ما يعكس استمرار التحديات المرتبطة بمواءمة مخرجات التعليم العالي مع احتياجات سوق العمل.
وفي مجال التعليم العالي، حققت النساء تقدمًا ملحوظًا، إذ تجاوزن الرجال في معدلات الالتحاق والتخرج في معظم الدول العربية، كما يشكّلن نحو نصف خريجي تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في المنطقة. ومع ذلك، لا تزال العوائق المرتبطة بالوصول إلى المناصب القيادية والمشاركة المتكافئة في سوق العمل تحدّ من تحويل هذه الإنجازات الأكاديمية إلى فرص اقتصادية متساوية.
كذلك، شهد الإنتاج البحثي نموًا ملحوظًا، إذ ارتفع بنسبة 576% بين عامي 2010 و2024، مسجلًا أسرع معدل نمو على مستوى العالم. ومع ذلك، لا يزال الاستثمار في البحث والتطوير محدودًا، فيما تؤثر الفجوات الرقمية والبنيوية في قدرة الجامعات على المساهمة في الابتكار والتنمية المستدامة.
التعاون الإقليمي والاعتراف بالمؤهلات الأكاديمية
يتزامن صدور التقرير مع دخول الاتفاقية العربية المنقحة لليونسكو بشأن الاعتراف بالدراسات والشهادات والدرجات العلمية في التعليم العالي حيّز التنفيذ، والتي تهدف إلى تسهيل التنقل الأكاديمي، وتحسين الاعتراف بالمؤهلات العلمية، وتعزيز التعاون الإقليمي.
وتوفّر الاتفاقية إطارًا لتعزيز التعاون بين الدول العربية، ودعم الطلاب الراغبين في متابعة تعليمهم العالي خارج بلدانهم.
عشر أولويات لإصلاح التعليم العالي
لمعالجة هذه التحديات وتحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالتعليم الجيد، حدّد تقرير اليونسكو عشر أولويات للإصلاح، تشمل تعزيز أنظمة البيانات التعليمية، وتوسيع فرص الوصول العادل إلى التعليم، وتحسين معدلات استمرارية الطلاب في الدراسة، ومواءمة البرامج الجامعية مع احتياجات سوق العمل، وتوفير الدعم للفئات الأكثر ضعفًا والطلاب النازحين.
كما تدعو التوصيات إلى تعزيز الحوكمة الجامعية، وتأمين تمويل مستدام، وزيادة الاستثمار في البحث العلمي، وتطوير البنية التحتية الرقمية، ووضع أطر لاستخدام الذكاء الاصطناعي بشكل أخلاقي، إلى جانب تعميق التعاون الدولي والإقليمي.
ويؤكد التقرير أهمية تحويل التعليم العالي إلى منفعة عامة شاملة، قادرة على دعم فرص العمل والابتكار والتنمية المستدامة في مختلف أنحاء المنطقة العربية.